الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
قاسم حسين صالح… الأكاديمي والصحفي والمحلل النفسي


مبدعون في الذاكرة ( 32) اضاءه مهنية لا دراسة نقدية

قاسم حسين صالح… الأكاديمي والصحفي والمحلل النفسي

ياس خضير البياتي

 

 

في عام 1949، في قرية صغيرة بالقرب من نهر الغراف في قضاء الشطرة، بدأت تتشكل أسئلة الطفولة لدى الدكتور قاسم حسين صالح.

في تلك البيئة البسيطة والمعقدة للريف العراقي، تشكلت أفكاره حول العدالة والكرامة والحرية، ليس كمجرد شعارات سياسية، بل كعناصر أساسية لسلام النفس الإنسانية.

منذ انطلاقته، لم يعتبر العلم وسيلة للوصول إلى الرفعة الاجتماعية، بل أداة لفهم الكائن الحي المعقد المسمى إنساناً.

هذا دفعه لاختيار علم النفس، حيث تابع دراسته حتى نال درجة الدكتوراه في الفلسفة، ليصبح لاحقاً واحدًا من أبرز الأساتذة في مجاله بالعراق، حيث جمع بين الجدية الأكاديمية والرؤية الإنسانية.

تظهر كتابات قاسم كظاهرة مزدوجة: فهو عالم نفس يتبع المنهجية من جهة، وثقافي يتمتع برؤية شاملة من جهة أخرى.

لقد تناول مواضيع مثل علم النفس المعرفي، وأساليب قياس الشخصية، والإبداع الفني، وخاض أيضًا في قضايا أكثر عمقًا عبر تحليل الظواهر السياسية والاجتماعية من منظور نفسي سياسي.

أسلوبه يتميز بعدم اعتماده على لغة جافة ومعمليّة، بل يقدم تحليلات إبداعية تنطوي على أبعاد إنسانية. يبدأ عادة من تجربة حياتية أو سؤال اجتماعي، ثم يتعمق في تفكيك المفهوم العلمي، قبل أن يعود إلى المعاناة الإنسانية اليومية.

هذه الديناميكية بين التأمل النظري والواقع جعلت أعماله هامة كمحاور فكري أكثر من كونها نصوصًا أكاديمية مغلقة.

لم يفصل بين النفس والمجتمع، إذ كانت كتاباته حول الشخصية تأخذ في اعتبارها التاريخ والسياسة والبيئة المحيطة.

وعندما يتناول موضوع الإبداع، فإنه يستحضر الحالة النفسية للفنان وسياقاته الثقافية. كذلك عندما يناقش السلطة أو الفساد، فإنه يطرحها بشجاعة كتعبير عن تركيبات نفسية وسياقات اجتماعية، لا كأفعال مستقلة.

بفضل ذلك، استطاع أن يضفي على علم النفس طابعًا ثقافيًا أوسع، رافعًا إياه من حدود الاختصاص إلى ميادين النقاش المجتمعي.

لم تقتصر أفكاره على الأروقة الجامعية، بل أسهم من خلال الصحافة في نشر الثقافة النفسية. عبر مقالاته، كان يستخدم لغة بسيطة بينما يحافظ على الدقة العلمية، مؤمنًا بأن الوعي النفسي جزء لا يتجزأ من الأمن المجتمعي، وأن نشره مسؤولية أخلاقية.

في كتاباته، كان يتناول أزمات مثل اليأس والعنف والانكسار الجماعي، ويربطها بالتغيرات السياسية والاجتماعية في العراق.

لم يكن يسعى فقط لوصف تلك الآلام، بل كان يحاول تفسيرها ويقترح طرقاً للفهم والمواجهة.

كان لديه قناعة بأن الصحة النفسية ليست مسألة فردية فقط، بل هي ركيزة أساسية لاستقرار المجتمع، لذا اعتبر أن اضطراب النفس الفردية هو تنبيه لخلل أعمق في السياق العام.

عرفت قاسم في أوائل السبعينيات، وكان حضوره جذابًا في محيطي الإعلام والعلم. كان واضحًا أنني أتعامل مع شخصية مميزة: عالم لديه شغف الباحث وهدوء الواثق وفضول الطفل الباحث عن المعرفة.

كان يجمع بين الجدية والانفتاح، ويظهر ثقة بالنفس قد يُعتبرها البعض نوعًا من الغطرسة، لكنها في جوهرها تعبير عن إيمانه العميق بمسيرته الفكرية.

في عام 1989، أثناء ترأسي تحرير صحيفة "الجامعة" الأسبوعية، دعوتُه للانضمام إلى فريق التحرير.

كنت أبحث عن صوت مختلف يضيف قيمة معرفية حقيقية، وقد وجدته في شخصيته.

في "الجامعة"، لم يكن فقط كاتب، بل كان عنصرًا محوريًا في هيكل الصحيفة.

كانت مقالاته تحظى باهتمام بالغ، إذ كانت تقدم تحليلات تتجاوز المعلومات السطحية لتعطي رؤى حول الأبعاد النفسية والاجتماعية.

تميز بمواقفه الثابتة تجاه قضايا الحرية والعدالة. لم يكن يخفي انحيازه للحقوق المدنية، ولم يتعامل مع علم النفس على أساس من الحياد المطلق.

كان يؤمن بأن الحياد يقتضي عدم الصمت، وأن للمثقف مسؤولية تسليط الضوء على الحقائق العلمية.

عندما كان يحلل شخصيات سياسية أو سلوكيات سلطوية، لم يكن دافعه الخصومة، بل الرغبة في الفهم. اعتقد أن معرفة التكوين النفسي لرجال القرار تعطي المجتمع القدرة على استيعاب مساراته الحالية.

حين يكتب ، فإنه لا يكتفي بأن يضع كتابًا على رفوف المكتبة، بل يفتح نافذة على النفس والمجتمع والسياسة، ويجعل من علم النفس مرآة تعكس وجوه الناس وظلال السلطة.

في كتابه "الشخصية العراقية من السومرية إلى الطائفية"، يغوص في أعماق التاريخ ليقرأ ملامح الإنسان العراقي عبر العصور، كاشفًا كيف تتشكل الشخصية تحت ضغط الزمن والتحولات.

أما في "المجتمع العراقي: تحليل سيكوسوسيولوجي لما حدث ويحدث"، فقدّم صورة بانورامية للمجتمع وهو يتقلب بين الأزمات والأحلام، رابطًا بين الفرد والجماعة، بين الذاكرة والواقع.

وفي "إشكالية السلطة والدين في العالم العربي"، تناول العلاقة الملتبسة بين الدين والسياسة، محللًا البنية النفسية التي تجعل السلطة أحيانًا تتخذ من الدين غطاءً، ومن الإنسان أداةً.

كتابه "سيكولوجيا السلطة" كان بمثابة مرآة جريئة تكشف خفايا النفوس التي تتربع على كراسي الحكم، وكيف تتحول السلطة إلى حالة نفسية قبل أن تكون موقعًا سياسيًا.

كما كتب في "الإنسان والمجتمع" مقاربات عميقة في علم النفس الاجتماعي، ليؤكد أن الفرد لا يعيش في عزلة، بل هو ابن بيئته، يتأثر بها ويؤثر فيها.ولم يتردد في تقديم تحليلات نفسية للشخصيات السياسية العراقية، حيث قرأ وجوه السلطة بجرأة، بعيدًا عن الطائفية، ليضع أمام القارئ صورة علمية صادقة عن من يحكمون.

بهذه المؤلفات، لم يكن مجرد باحث في علم النفس، بل كان ضميرًا فكريًا يكتب بوعي وشجاعة، ويجعل من الكلمة سلاحًا للمعرفة، ومن التحليل النفسي أداة لفهم الإنسان والمجتمع والسياسة.

على مدى أكثر من خمسين عامًا، لم يكن مجرد أكاديمي أو كاتب عمود، بل كان رمزًا ثقافيًا متجسدًا.

اليوم، عندما أتذكر تلك السنوات، أرى نفسي لا أتحدث عن زميل عمل فقط، بل عن تجربة إنسانية وثقافية رافقتني لفترة طويلة.

لقد أكدت لي هذه التجربة أن دمج العلم بالنزاهة ليس مجرد شعار بل هو ممارسة تتجلى في الكلمات والأفعال.

قد يجد البعض في شخصيته جانبًا من النرجسية التي قد لا تعجبهم، ربما بسبب ثقته بنفسه واعتزازه بما حققه.

كان يعرف قدره العلمي ويؤمن بما يكتب، وهذا الإيمان منحه حضورًا قويًا قد يُساء فهمه أحيانًا. لكنه في جوهره كان تعبيرًا عن ثقة عالم بعمله وإنسان يحاول أن يعيش وفقًا لمبادئه.

في رأيي، سيظل قاسم حسين صالح نموذجًا للعالم الذي ظل متصلًا بمجتمعه، والصحفي الذي تمسك بأسلوبه العلمي، والإنسان الذي أدرك أن فهم النفس هو الخطوة الأولى لفهم الوطن.

 


مشاهدات 40
الكاتب ياس خضير البياتي
أضيف 2026/03/14 - 1:17 PM
آخر تحديث 2026/03/15 - 1:56 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 80 الشهر 12312 الكلي 15004381
الوقت الآن
الأحد 2026/3/15 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير