الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
من الامتراء إلى اليقين: حوار القرآن والفلسفة


من الامتراء إلى اليقين: حوار القرآن والفلسفة

حيدر عبد الرحمن الربيعي

 

قراءة في معنى اليقين وسط ضجيج الشكّ

﴿إِنَّهُ قَوْلُ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ – سورة مريم (34)

ليست الآية تقريرًا عقديًّا فحسب، بل هي جرسٌ يُقرع في أعماق الروح.

كأنها تقول لنا: الحقيقة قائمةٌ في ذاتها، ثابتةٌ كالشمس، لكن العيون إذا أغمضت جفونها ظنّت أن الليل قد انتصر.

الحقّ لا يضطرب، نحن الذين نضطرب حوله.

بين الحقيقة والامتراء

الامتراء ليس مجرّد شكٍّ بريء؛ إنه شكٌّ يختلط بالهوى، ويتزيّن بثوب الجدل.

قد يشكّ الإنسان ليصل، وقد يشكّ ليهرب.

حين تحدّث القرآن عن عيسى عليه السلام، حسم الخلاف بقوله: إنه قول الحق.

فالحقّ ليس رأيًا بين آراء، بل نورٌ إذا أشرق أظهر الأشياء على حقيقتها.

يقول سقراط:

الحياة غير المختبرة لا تستحق أن تُعاش.”

لكن الاختبار الصادق للحياة لا يكون بتكثير الأسئلة فقط، بل بصدق النية في طلب الجواب.

فالشكّ الذي يقود إلى النور فضيلة، أما الشكّ الذي يلتفّ حول ذاته فهو متاهة.

أمثلة من الحياة: كيف نمترِي؟

1. في العلاقات

كم من إنسانٍ يعرف في قرارة قلبه أن الصفح أسمى، لكنه يمترِي فيفوّت لحظة المصالحة!

الحقيقة واضحة: الاعتذار يداوي، لكن الكبرياء تهمس: “انتظر”.

فيختار الامتراء، لا لأن الحق خفيّ، بل لأن النفس لا تريد أن تنحني.

2. في القيم

نرى الظلم، ونعلم في أعماقنا أنه ظلم، لكننا نبحث عن تأويلاتٍ تريحه في ضميرنا.

الحقّ بيّن، لكن المصالح تغلّفه بضبابٍ رقيق.

وقد قال فريدريك نيتشه:

أحيانًا لا نريد الحقيقة لأننا لا نريد أن تتحطم أوهامنا.”

فالامتراء هنا ليس نقصًا في الدليل، بل خوفٌ من التحوّل.

3. في ذواتنا

نعلم أن الطريق إلى الطمأنينة يبدأ بإصلاح الداخل، لكننا نؤجّل، نؤوّل، نختلف

كأننا نمترِي في وضوح الشمس.

وهنا يهمس جلال الدين الرومي:

ما تبحث عنه يبحث عنك.”

الحقّ لا يختبئ، نحن الذين نهرب منه حين يخالف شهواتنا.

الحقّ لا يحتاج إلى صراخ

في زمن الضجيج الرقمي، تتكاثر الروايات حتى يغدو الباطل عالي الصوت، والحقّ هادئًا كنسمة فجر.

لكن الهدوء ليس ضعفًا.

قال ألبير كامو:

في وسط الشتاء اكتشفت أن بداخلي صيفًا لا يُقهَر.”

الحقّ هو ذلك الصيف الداخلي؛ قد تتراكم حوله الثلوج، لكنه لا ينطفئ.

الامتراء بوصفه امتحانًا روحيًا

الآية الكريمة لا تصف المختلفين فقط، بل تكشف سنّةً نفسية:

كل حقيقةٍ كبرى يسبقها غبارٌ من الجدل.

وكأن الله يقول لنا:

سيبقى الامتراء قائمًا، لكن على القلب أن يختار موضعه.

هل يقف مع النور ولو خافتًا؟

أم مع الضجيج ولو صاخبًا؟

تأمل صوفي

الحقّ في اللغة اسمٌ من أسماء الله.

فحين نقول “قول الحق” فكأننا نقول: قولٌ صادرٌ عن المطلق.

والمطلق لا يتغيّر بتغيّر الأهواء.

العارف لا يبحث عن كثرة الأدلة، بل عن صفاء البصيرة.

فإذا صفا القلب، صار يرى الحقيقة قبل أن يسمعها.

يقول الإمام علي بن أبي طالب:

اعرف الحق تعرف أهله.”

فالميزان ليس الأشخاص، بل الحقيقة ذاتها.

خاتمة: بين القلب والضجيج

ليست المشكلة في أن يُمترى الناس،

بل في أن يُمترِي القلب بعد أن رأى.

الحقّ لا يغضب إن جادله أحد،

لكنه ينتظر قلبًا صادقًا ليأويه.

فإذا وجدت نفسك يومًا في مفترق طرق،

والأصوات تتنازعك،

اسأل قلبك في سكون الليل:

أأمترِي لأن الحقيقة غامضة

أم لأنني أخشى أن أكون أنا المخطئ؟

عندها فقط

ستسمع في أعماقك همس الآية:

﴿إِنَّهُ قَوْلُ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾

وستدرك أن النور لا يطلب إلا نافذةً صافية.


مشاهدات 52
الكاتب حيدر عبد الرحمن الربيعي
أضيف 2026/03/10 - 1:26 PM
آخر تحديث 2026/03/11 - 2:09 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 98 الشهر 9109 الكلي 15001178
الوقت الآن
الأربعاء 2026/3/11 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير