الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
جيل‭ ‬الشاشات‭ ‬في‭ ‬شهر‭ ‬الرحمة

بواسطة azzaman

جيل‭ ‬الشاشات‭ ‬في‭ ‬شهر‭ ‬الرحمة

عدنان أبوزيد

 

رمضان‭ ‬يموت‭ ‬ببطء‭ ‬أمام‭ ‬الشاشة‭.‬على‭ ‬مائدة‭ ‬الإفطار،‭ ‬يجلس‭ ‬الجميع‭ ‬معاً‭… ‬ولا‭ ‬أحد‭ ‬موجود‭.‬

الأم‭ ‬تُعدّ‭ ‬الطبق،‭ ‬والابن‭ ‬يُسجّل‭ ‬ستوري‭ “‬إفطارنا‭ ‬اليوم‭”.‬

الأب‭ ‬يرفع‭ ‬يديه‭ ‬للدعاء،‭ ‬والابنة‭ ‬ترد‭ ‬بإيموجي‭ “‬آمين‭” ‬في‭ ‬مجموعة‭ ‬العائلة‭.‬

كلمة‭ ‬واحدة‭ ‬وجهاً‭ ‬لوجه،‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تحمل‭ ‬نبرة‭ ‬الصوت‭ ‬ودفء‭ ‬العين،‭ ‬تُساوي‭ ‬ألف‭ ‬رسالة‭ ‬رقمية‭ ‬باردة‭ ‬لا‭ ‬تُشبع‭ ‬الروح‭.‬

التقاليد‭ ‬التي‭ ‬ميزتنا،‭ ‬تبادل‭ ‬الأطباق‭ ‬بين‭ ‬الجيران،‭ ‬زيارة‭ ‬الأقارب‭ ‬بعد‭ ‬التراويح،‭ ‬جلسات‭ ‬السمر‭ ‬حول‭ “‬أبو‭ ‬طبل‭” ‬أو‭ “‬المحيبس‭”‬،‭ ‬تذوب‭ ‬تحت‭ ‬وطأة‭ ‬الإشعارات‭.‬

‭ ‬التهاني‭ ‬صارت‭ “‬مبروك‭” ‬في‭ ‬واتساب،‭ ‬تُقرأ‭ ‬وتُنسى‭ ‬في‭ ‬ثوانٍ‭.‬

‭ ‬الزيارة‭ ‬الحقيقية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تجمع‭ ‬الدموع‭ ‬والضحك‭ ‬والذكريات،‭ ‬استُبدلت‭ ‬بـ‭”‬فيديو‭ ‬كول‭” ‬قصير‭ ‬ينتهي‭ ‬بـ‭”‬مع‭ ‬السلامة،‭ ‬عندي‭ ‬شغل‭”.‬

مع‭ ‬انتشار‭ ‬الإنترنت‭ ‬السريع‭ ‬والهواتف‭ ‬الذكية،‭ ‬بنى‭ ‬العراقيون‭ ‬إمبراطوريات‭ ‬وهمية‭: ‬مجموعات‭ “‬عائلة‭” ‬افتراضية،‭ ‬أصدقاء‭ ‬بعيدون‭ ‬يشاركون‭ “‬رمضان‭ ‬كريم‭”‬،‭ ‬حتى‭ ‬تبرعات‭ ‬خيرية‭ ‬تُرسل‭ ‬عبر‭ ‬لينك‭ ‬دون‭ ‬لقاء‭.‬

لكن‭ ‬الثمن‭ ‬باهظ‭: ‬الحميمية‭ ‬تُدفن‭ ‬حية‭. ‬المشاعر‭ ‬تُختزل‭ ‬في‭ ‬لايكات‭ ‬وقلوب‭ ‬حمراء،‭ ‬والعواطف‭ ‬تُقاس‭ ‬بعدد‭ ‬المشاهدات‭ ‬لا‭ ‬بعدد‭ ‬الدموع‭ ‬الحقيقية‭ ‬أو‭ ‬العناق‭ ‬الدافئ‭.‬

الأطفال‭ ‬والشباب،‭ ‬جيل‭ ‬الشاشات،‭ ‬يتعلمون‭ ‬أن‭ ‬الإفطار‭ ‬حدث‭ ‬يُوثَّق‭ ‬لا‭ ‬يُعاش‭.‬

ينشغلون‭ ‬بألعاب‭ ‬أو‭ ‬تيك‭ ‬توك‭ ‬بينما‭ ‬يُفطرون،‭ ‬فيفقدون‭ ‬درس‭ ‬الشهر‭: ‬الصبر،‭ ‬التآلف،‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬عيون‭ ‬الآخرين‭.‬

حتى‭ ‬الروحانية‭ ‬تُمسخ‭: ‬تلاوة‭ ‬القرآن‭ ‬تُقطع‭ ‬بإشعار،‭ ‬والدعاء‭ ‬يتخلله‭ “‬سكرول‭” ‬لا‭ ‬ينتهي‭.‬

روح‭ ‬رمضان‭ ‬الواقعي‭ ‬تنهار‭ ‬تحت‭ ‬أنقاض‭ ‬الافتراضي‭.‬قيم‭ ‬التعاطف‭ ‬والتكافل‭ ‬تختفي،‭ ‬محاصرة‭ ‬بين‭ ‬جدران‭ ‬الشاشات‭.‬عادات‭ ‬شعبية‭ ‬وتقاليد‭ ‬تراثية‭ ‬–‭ ‬كاللمة‭ ‬حول‭ ‬المائدة‭ ‬والسهرات‭ ‬الجماعية‭ ‬–‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬موجودة،‭ ‬محوها‭ ‬الإدمان‭ ‬الرقمي‭.‬انتشار‭ ‬الصيام‭ ‬الشكلي‭: ‬مجرد‭ ‬إمساك‭ ‬عن‭ ‬الطعام،‭ ‬دون‭ ‬إمساك‭ ‬عن‭ ‬الوهم‭.‬نحتاج‭ ‬إلى‭ ‬صيام‭ ‬عن‭ ‬العالم‭ ‬الافتراضي،‭ ‬لنعود‭ ‬إلى‭ ‬الواقع‭ ‬الحقيقي‭.‬التركيز‭ ‬على‭ ‬صيام‭ ‬افتراضي‭ ‬يرجعنا‭ ‬إلى‭ ‬الأصل‭: ‬الطبيعة،‭ ‬الإنسانية،‭ ‬والروابط‭ ‬غير‭ ‬المزيفة‭.‬فقط‭ ‬هكذا‭ ‬ننقذ‭ ‬رمضان‭ ‬من‭ ‬قبر‭ ‬الشاشات‭.‬

النتيجة‭ ‬صادمة‭ ‬ومرعبة‭: ‬عيد‭ ‬افتراضي‭ ‬يأكل‭ ‬الشهر‭ ‬الكريم‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يترك‭ ‬أثراً‭ ‬في‭ ‬القلب‭. ‬نحن‭ ‬نجتمع‭ ‬جسداً‭ ‬ونفترق‭ ‬روحاً‭.‬

الهاتف‭ ‬لم‭ ‬يقربنا‭ ‬من‭ ‬العالم؛‭ ‬بل‭ ‬أبعَدَنا‭ ‬عن‭ ‬أنفسنا‭ ‬وعن‭ ‬بعضنا‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬حرب‭ ‬أو‭ ‬أزمة‭.‬

نعيش‭ ‬معاً‭ ‬تحت‭ ‬سقف‭ ‬واحد‭… ‬ونموت‭ ‬وحدنا‭ ‬أمام‭ ‬شاشة‭.‬


مشاهدات 54
الكاتب عدنان أبوزيد
أضيف 2026/03/07 - 1:14 AM
آخر تحديث 2026/03/07 - 4:53 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 250 الشهر 5681 الكلي 14959750
الوقت الآن
السبت 2026/3/7 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير