الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
نجوم فوق سمرقند

بواسطة azzaman

نجوم فوق سمرقند

أحمد جاسم الزبيدي

 

أكتب هذه السطور من طشقند، كصحفي عراقي وجد نفسه يعيش في قلب آسيا الوسطى، حيث لا تبدو سمرقند اسماً في كتب التاريخ بقدر ما تبدو حضوراً يومياً يمشي بين الناس والحجارة والقباب. حين عدتُ إلى كتاب «نجوم فوق سمرقند» لسيرغي بورودين (1902-1974)، قرأته هذه المرة لا كقارئ بعيد، بل كمن يسير فعلاً في الظل الذي تحكي عنه الصفحات.

منذ الصفحات الأولى، يأخذنا بورودين إلى زمن الأمير العالم أولوغ بيك، ذلك الحاكم الذي رفع بصر سمرقند إلى السماء فجعل من النجوم موضوعاً للقياس لا للتأمل فقط. يمتلك الكاتب موهبة سردية واضحة، فهو لا يكدّس الوقائع، بل ينسجها في مشاهد حيّة، حتى ليخيّل للقارئ أنه يسمع وقع أقدام الطلاب في مدارس الرصد، ويرى وهج المرصد وهو يراقب حركة الأفلاك.

ولأنني أعيش اليوم في أوزبكستان، وأزور سمرقند مراراً، بدا لي أن بورودين أصاب في شيء مهم: لقد نجح في نقل الإحساس بعظمة هذه المدينة العلمية، وفي تذكير القارئ بأن ما وراء النهر لم يكن هامشاً حضارياً، بل كان في لحظة تاريخية مرصداً للعالم كله. وهذه فضيلة تُحسب له بلا تردد.

لكن القراءة من داخل المكان تكشف أيضاً ما لم يقله الكتاب. فالنص، بوصفه ابناً للمرحلة السوفييتية، يميل إلى تقديم النهضة العلمية في سمرقند بمعزل نسبي عن جذورها الروحية الإسلامية. ومن واقع المعايشة هنا، ومن خلال ما تكشفه الدراسات الحديثة، يبدو هذا الفصل أقرب إلى تبسيطٍ أيديولوجي منه إلى توصيفٍ تاريخي كامل، إذ كان العلم والروح في تجربة ما وراء النهر نسيجاً واحداً لا خطين متوازيين.

من جهة أخرى، لا يخفي الكتاب طابعه الأدبي الشعبي، فالإحالات العلمية محدودة، والنبرة الرومانسية في تصوير العصر التيموري واضحة، وأحياناً يختار الكاتب جمالية الحكاية على صرامة التوثيق. ومع ذلك، فإن هذه السمة نفسها هي التي منحت العمل حياته، وجعلته بوابةً ثقافية دخل منها كثير من القرّاء إلى عالم سمرقند.

اليوم، وأنا أتنقل بين طشقند وسمرقند، أجد أن أفضل طريقة لقراءة «نجوم فوق سمرقند» هي أن نتعامل معه كنصٍ مُلهم لا كنهاية الطريق؛ كتابٌ يفتح الشهية المعرفية، ويوقظ الفضول الحضاري، لكنه يحتاج أن يُستكمل بقراءات أحدث وأكثر تدقيقاً.

يبقى أن أقول، من موقع صحفي عراقي حمل ذاكرة بغداد إلى هذه البلاد: إن أجمل ما في كتاب بارادين أنه يذكّرنا بحقيقةٍ كثيراً ما ننساها — أن السماء التي رصدها علماء سمرقند هي ذاتها التي كانت فوق بغداد، وأن طرق المعرفة في تاريخنا لم تكن منفصلة كما تبدو على الخرائط، بل كانت، في زمن الازدهار، درباً واحداً تتناثر فوقه النجوم.

 


مشاهدات 64
الكاتب أحمد جاسم الزبيدي
أضيف 2026/02/27 - 11:44 PM
آخر تحديث 2026/02/28 - 1:09 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 79 الشهر 21432 الكلي 14953075
الوقت الآن
السبت 2026/2/28 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير