أذن وعين
حتى (القياصرة) لم يعودوا فوق الشبهات
عبد اللطيف السعدون
يروى عن الامبراطور الروماني يوليوس قيصر أنه عندما علم أن أحد رجاله دخل متنكرا الى حفلة خاصة بنساء القصر قصد التحرش بهن، أجرى تحقيقا في الأمر، واتضح له أن ليست ثمة شبهة خيانة من زوجته، وأنها بريئة تمام البراءة لكنه مع ذلك قرر تطليقها، عندها أطلق مقولته المعروفة «ينبغي أن لاتكون زوجة القيصر حتى موضع شك أو شبهة على الإطلاق».
في جزيرة ليتل سانت جيمس في البحر الكاريبي حيث أنشأ جيفري ابستين الملياردير وتاجر الجنس الأميركي قلعته الحصينة لم يعد الأمر كما كان في عهد القيصر إذ لم تعد زوجات القياصرة وحدهن موضع شك إنما القياصرة والرؤساء ورجال الأعمال الكبار وشخصيات المجتمع ذات الوزن الثقيل الذين امتلأت ملفات ابستين بصورهم ومكالماتهم، وحتى وقع خطواتهم لم يعودوا هم أيضا في منأى عن الشبهات، هكذا يبلغنا ركام أزيد من 3 ملايين صفحة، وأكثر من 150 ألف صورة من الملفات اماطت اللثام عنها وزارة العدل الأميركية، وشكلت زلزالا عاصفا قد لا ينجو من تبعته إلا القلة الذين وردت اسماؤهم مصادفة، ولم يكونوا من بين الحضور، أو ربما تورطوا في زيارة الجزيرة، وعندما اكتشفوا ما يدور فيها اقتنعوا من الغنيمة بالإياب.
ما كان صادما في تلك السردية أكثر ظهور اسماء وصور من كنا نقرأ لهم، ونعنى بما يقولونه، ونتوسم فيهم قامات ثقافية عالية ننظر إليها بشغف، ونكن لها تقديرا واعجابا، وبينهم جاك لانغ وزير الثقافة الفرنسي الأسبق وعميد معهد العالم العربي الذي وصفناه مرة بأنه «من أعاد للمعهد بريقه وإشعاعه على مستوى العالم»، وبالطبع العالم اللغوي، والمنظر المناصر لقضايا التحرر، والذي يعرفه القراء العرب جيدا، نعوم تشومسكي.
خيبة أمل
هكذا اهتزت أمامنا صور هؤلاء، وولدت لدينا خيبة الأمل منهم، وجعلتنا نفكر أنه حتى القامات الفكرية العالية ليست بمنأى من الشبهات، وعجبنا كيف أنتجت «الديمقراطيات» جزيرة عهر وفساد وإفساد، كما هي جزيرة ابستين، التي امتدت عالميا لتطال نماذج سياسة وعلم وفكر توهمنا زمنا أنها شخصيات نقية لا يأتيها الباطل من بين أيديها ولا من خلفها لكننا نوشك اليوم أن نصمها بأنها شخصيات «فاسدة» و»منحرفة» لولا أننا نطمع أن نجد في ما يعرض علينا لاحقا من الملفات ما يظهر براءتها، ربما، من يدري؟
ما لا يقل أهمية عما سبق أن تلك الملفات لم تنقل لنا كيف كانت تجري حفلات المجون والدعارة بحضور ومشاركة تلك الشخصيات النافذة في مجتمعاتها فحسب إنما عرفنا أيضا من خلال الرسائل والاتصالات التي تبودلت بين ابستين ورجاله كيف استبطنت تلك الفعاليات توافقات وتقاطعات في شؤون المال والسياسة والفن لدرجة أنها اخترقت مناطق حذرة اهتزت فيها مفاهيم السياسة والحكم وإدارة الشؤون العامة واختلت بحيث اقتربت عند هذا النمط من «النخب» من أن تكون أكثر شعبوية وهشاشة للحد الذي لا يمكن بعد من إعادتها لسويتها من دون إخضاعها للترميم والإصلاح، وقد يدفع كل ذلك الى اللجوء لسياسة البتر في المؤسسات التي تعرضت للعطب جراء فعل بعض المهيمنين عليها ممن ظهروا في الملفات السوداء، وهذا ما فعلته دولة خليجية عندما تخلت عن شخصية اقتصادية مرموقة ظهر اسمها في الملفات الشريرة.
وما رأيناه في موضوعة اهتزاز السيــــــــاسة وإدارة الشـــــــؤون العامـــــة رآه قبلنا غوردون بـــــــــراون رئيـس وزراء بريطانيــــــــــا الأسبق في مقالته الأخيرة اللافتة في «الغارديان» تعقيبا على الفضيحة إذ قال إنه «متى اهتزت السياسة فسوف يكون ترميمها صعبا».
شخصيات بارزة
وإذ أصبحت تلك الملفات حديث الساعة فقد أشعل السلوك غير الأخلاقي للعديد من الشخصيات البارزة في السياسة والشؤون العامة النقاش في الولايات المتحدة، وفي أكثر من بلد، حول المدى الذي يمكن التحفظ فيه على ملفات كهذه، وعدم تعريضها للكشف حرصا على سمعة من ظهروا فيها، ولضمان سلامة المؤسسات التي تسنموا مواقع فيها، وعدم تعريضها لخسارة مادية أو معنوية، لكن النقاش لم يصل إلى نهاية.
وإلى أن تظهر كامل ملفات ابستين، بما فيها حقيقة واقعة نحره أو انتحاره، فان أصداء تلك الملفات وردود الافعال عليها لن تكتمل من دون وضعها في سياق التداعيات التي بدأت تنجم عنها، والتي سوف تغير أحوالا ومقامات.