بلاغة الترحال في لغة السامرائي العماري
عمار عبد الواحد
ان الحديث عن الدكتور ابراهيم احمد السامرائي المولود في مدينة العمارة سنة 1923 ليس حديثا عن مجرد اسم عابر في سجلات العربية بل هو حديث عن ظاهرة لغوية متفردة استطاعت ان تمزج بين صرامة التراث ومرونة الحداثة في بوتقة واحدة تتجلى فيها عبقرية البحث والتقصي خلف الجذور الضاربة في اعماق التاريخ البشري حيث تميز منهجه بالقدرة الفائقة على تتبع الكلمة في رحلتها الطويلة عبر الزمن وكيف تتحور المعاني وتتبدل الدلالات تبعا للمتغيرات الاجتماعية والثقافية التي تحيط بالانسان فهو لم يكن يتعامل مع اللغة بصفتها قوالب جامدة او مجرد قواعد نحوية جافة بل كان يراها كائنا حيا يتنفس ويتحرك وينمو ويتفاعل مع بيئته بكل تفاصيلها الصغيرة والكبيرة ومن هنا نجد ان لغته الادبية تتسم بسلاسة عجيبة تاخذ بيدي القارئ من عوالم الاشتقاق اللغوي المعقدة الى افاق التذوق الفني الرفيع دون ان يشعر بوعورة الطريق او ثقل المادة العلمية التي يطرحها ان فلسفته في التعامل مع الضاد تقوم على ايمان عميق بان اللغة هي وعاء الفكر وهويته ومن ثم فان الحفاظ عليها وتطويرها لا يكون بالانكفاء على الماضي وتقديس القديم لمجرد قدمه بل بفتح النوافذ امام رياح التجديد المنضبطة التي لا تمس الجوهر وانما تزيد المظهر جلاء وبهاء فكانت مفرداته منتقاة بعناية فائقة تشبه رص الجواهر في عقد فريد حيث يبتعد عن الحشو والاطالة التي لا طائل منها ويميل الى التكثيف الذي يفتح بابا للتامل والتدبر في كل جملة يكتبها كما انه امتلك بصيرة نافذة في فهم التداخل بين اللغات السامية وكيف اثرت وتاثرت بها العربية مما اعطى لادبه طابعا شموليا يتجاوز الحدود الجغرافية الضيقة ليصل الى جوهر التجربة الانسانية المشتركة في التعبير والبيان وعندما نقرا له نجد انفسنا امام تدفق فكري لا يتوقف يشرح الظواهر اللغوية برؤية اجتماعية وتاريخية تجعل من النحو والصرف مادة مشوقة تروي قصة حضارة كاملة وليست مجرد دروس تلقينية جافة وهذا التوسع في الشرح والبيان لم يكن ترفا فكريا بل كان ضرورة تمليها طبيعة القضايا الشائكة التي تصدى لها بروح الباحث المثابر الذي لا يكتفي بالنتائج السطحية بل يغوص في الاعماق ليستخرج الدرر الكامنة في بطون المعاجم والكتب القديمة ويعيد تقديمها بروح عصرية تناسب ذائقة الجيل الجديد الذي يبحث عن المعرفة المقرونة بالمتعة والوضوح ان قدرته على تفكيك البنى اللغوية واعادة تركيبها ببيان ساحر هي ما جعلت منه مرجعا اساسيا لكل من يريد فهم اسرار العربية و جمالياتها بعيدا عن التكلف والغموض المصطنع فهو يكتب بمداد من نور ينير الزوايا المعتمة في تاريخ الكلمة ويجعل من القارئ شريكا في عملية الكشف والتحليل بفضل اسلوبه السهل الممتنع الذي يجمع بين الدقة العلمية الصارمة و الشاعرية الرقيقة التي تلامس الوجدان وتخاطب العقل في ان واحد