القضاء حصن وضمان الحقوق
سعد البخاتي
يمثّل القضاء في الدولة الدستورية الضمانة الجوهرية لحماية الحقوق والحريات، إذ لا قيمة فعلية للنصوص الدستورية دون جهة مستقلة تكفل إنفاذها وتمنع انتهاكها. وقد أرسى دستور جمهورية العراق لسنة 2005 هذا المبدأ عندما قرر أن السلطة القضائية مستقلة، وأن القضاة لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون، بما يحقق مبدأ سيادة القانون ويصون كرامة المواطن من التعسف والانتهاك. نصّ الدستور على أن التقاضي حق مصون ومكفول للجميع، وهو ما يجعل أبواب العدالة مفتوحة لكل مواطن دون تمييز، كما حظر إنشاء محاكم استثنائية حفاظًا على وحدة القضاء وضمانات المحاكمة العادلة. وتُجسّد هذه المبادئ الأساس القانوني لحماية الأفراد من إساءة استعمال السلطة، سواء من الجهات التنفيذية أو الإدارية. ويُعدّ مجلس القضاء الأعلى الجهة المشرفة على إدارة شؤون القضاء، بما يعزز استقلاله المؤسسي، في حين تتولى المحكمة الاتحادية العليا الرقابة على دستورية القوانين والأنظمة النافذة، وهو اختصاص بالغ الأهمية لحماية الحقوق الدستورية ومنع صدور تشريعات تمسّ جوهرها. وقد أسهمت قراراتها في إرساء مبادئ دستورية تتعلق بالفصل بين السلطات وتوازنها.
أما على مستوى القوانين النافذة، فقد كفل قانون التنظيم القضائي وقانون الادعاء العام وقانون المرافعات المدنية ضمانات التقاضي العادل وسلامة الإجراءات، كما أتاح قانون مجلس شورى الدولة الطعن في القرارات الإدارية غير المشروعة أمام القضاء الإداري، الأمر الذي يشكّل حماية مباشرة للمواطن في مواجهة تعسف الإدارة. وتبرز أهمية القضاء في الواقع العملي من خلال أمثلة عديدة، منها إلغاء قرارات إدارية مخالفة للقانون أعادت حقوق موظفين مفصولين بغير وجه حق، أو إنصاف مواطنين في نزاعات الملكية والتعويض، فضلًا عن دور القضاء الجزائي في حماية المجتمع من الجريمة مع ضمان حقوق المتهم وفق مبدأ قرينة البراءة. إن هذه التطبيقات تؤكد أن القضاء ليس مؤسسة قانونية فحسب، بل صمام أمان للاستقرار الاجتماعي والسياسي.
وخلاصة القول، إن قوة الدولة تقاس بقدرة قضائها على تحقيق العدالة دون خوف أو محاباة، وأن بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الحكم يبدأ من منصة القضاء بوصفه الملاذ الأخير للحقوق. ومن ثمّ فإن دعم استقلال القضاء وتطوير بنيته الإدارية والتقنية يظل واجبًا وطنيًا لضمان سيادة القانون وترسيخ دولة المؤسسات
مستشار قانوني