الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حول رعاية الأطفال فاقدي الرعاية الأسرية

بواسطة azzaman

حول رعاية الأطفال فاقدي الرعاية الأسرية

زهراء عماد الاسدي

 

تُعدّ رعاية الأطفال الذين لا أولياء لهم، أو الذين يمتنع أولياؤهم عن تربيتهم، من أهم الواجبات الدستورية والإنسانية التي تقع على عاتق الدولة، لما تمثله الطفولة من أساس لبناء المجتمع ومستقبله. وقد برزت التجربة في تركيا بوصفها نموذجاً متقدماً في معالجة هذه المشكلة عبر منظومة قانونية ومؤسساتية متكاملة تكفل للطفل الحماية والرعاية والتعليم حتى بلوغه سن الرشد واستقلاله اجتماعياً واقتصادياً.

أولاً: الأساس القانوني لرعاية الأطفال فاقدي الرعاية

يقوم النظام القانوني الحديث على مبدأ أن مصلحة الطفل الفضلى مقدّمة على إرادة الولي عند تعارضهما، وأن الدولة تمارس ولاية الحماية عند فقدان الرعاية الأسرية أو تقصيرها. وبموجب ذلك تُنشأ مؤسسات متخصصة تتولى:

إيواء الأطفال مجهولي النسب أو فاقدي الأبوين.

سحب الولاية مؤقتاً أو دائماً من الأبوين غير القادرين أو غير الراغبين في التربية.

توفير بيئة بديلة آمنة تكفل النمو الجسدي والنفسي والتعليمي.

وقد تبنّت وزارة الأسرة والخدمات الاجتماعية في تركيا نظاماً قانونياً يُمكّنها من التدخل الفوري لحماية الطفل وإيداعه في مؤسسات الرعاية أو لدى أسر بديلة.

ثانياً: آليات الرعاية المؤسسية والأسر البديلة

اعتمدت التجربة التركية مبدأ تقليل الإيواء المؤسسي لصالح الرعاية الأسرية البديلة، وذلك عبر:

دور الرعاية الحكومية

وهي مؤسسات توفر السكن والتغذية والتعليم والرعاية الصحية والنفسية، وتخضع لإشراف الدولة المباشر.

نظام الأسرة الحاضنة (الكفالة الأسرية)

حيث يُسند الطفل إلى عائلة متطوعة تتولى تربيته مقابل دعم مالي وإشراف اجتماعي دوري، بما يحقق له الاستقرار العاطفي والأسري.

التبني وفق الضوابط القانونية

مع مراعاة الحفاظ على هوية الطفل وحقوقه الشرعية والإنسانية.

ثالثاً: التمويل والإنفاق

تتحمل الدولة المسؤولية الأساسية في تمويل هذه البرامج عبر:

تخصيصات الموازنة العامة.

صناديق الرعاية الاجتماعية.

الشراكة مع منظمات المجتمع المدني.

رابعاً: التعليم والتأهيل حتى التوظيف

تُلزم التشريعات الجهات المختصة بضمان:

إدماج الأطفال في المدارس الحكومية أسوة بأقرانهم.

توفير منح دراسية ومهنية.

برامج تأهيل لسوق العمل.

وقد أتاح هذا النظام في تركيا لكثير من الأطفال فاقدي الرعاية أن يصبحوا خريجين جامعيين ويشغلوا وظائف في مؤسسات الدولة والقطاع الخاص.

خامساً: الوضع الحالي في العراق

في العراق، توجد دور رعاية للأيتام والأطفال مجهولي النسب تشرف عليها وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، إضافة إلى بعض المؤسسات الخيرية. إلا أن الواقع العملي يواجه عدداً من التحديات، منها:

محدودية الطاقة الاستيعابية لدور الرعاية مقارنة بعدد الحالات.

الاعتماد الكبير على الإيواء المؤسسي مع ضعف نظام الأسر البديلة.

نقص الكوادر المتخصصة في الدعم النفسي والاجتماعي.

ضعف برامج التأهيل بعد سن الثامنة عشرة.

الحاجة إلى تشريعات أكثر فاعلية لمحاسبة أولياء الأمور المتخلين عن واجباتهم.

كما أن الظروف الاقتصادية والاجتماعية والنزاعات التي مرّ بها العراق أسهمت في زيادة أعداد الأطفال فاقدي الرعاية، مما يتطلب معالجة تشريعية ومؤسساتية عاجلة.

سادساً: التوصيات للحكومة العراقية بالاقتداء بالنموذج التركي

استناداً إلى التجربة المقارنة، يُوصى بأن تعتمد الحكومة في العراق برنامجاً وطنياً شاملاً يتضمن:

سنّ قانون خاص بحماية الأطفال فاقدي الرعاية الأسرية.

إنشاء هيئة وطنية مستقلة لحماية الطفولة.

اعتماد نظام الأسر الحاضنة بدعم مالي وإشراف حكومي.

تطوير دور الرعاية وتحويلها إلى مراكز تأهيل متكاملة.

ضمان التعليم المجاني والمنح الدراسية حتى التخرج الجامعي.

تخصيص فرص عمل أو برامج تدريب مهني للخريجين.

عقد شراكات مع منظمات المجتمع المدني والقطاع الخاص.

خاتمة

إن حماية الأطفال فاقدي الرعاية مسؤولية قانونية وأخلاقية تقع على عاتق الدولة والمجتمع معاً، وهي استثمار حقيقي في مستقبل الوطن. وقد أثبتت التجربة في تركيا أن الإرادة السياسية المصحوبة بتشريعات واضحة ومؤسسات فعّالة قادرة على تحويل هذه الفئة إلى طاقة بشرية منتجة. ومن ثمّ فإن اقتداء العراق بهذا النموذج مع مراعاة خصوصيته الوطنية من شأنه أن يحقق الحماية الشاملة للأطفال ويصون كرامتهم الإنسانية ويعزز الاستقرار الاجتماعي.

 


مشاهدات 81
الكاتب زهراء عماد الاسدي
أضيف 2026/02/16 - 3:37 PM
آخر تحديث 2026/02/16 - 11:52 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 6 الشهر 12772 الكلي 13944416
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/2/17 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير