الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
ظفيرة المرأة بوصفها موقفاً سياسياً

بواسطة azzaman

ظفيرة المرأة بوصفها موقفاً سياسياً

فرح صابر

 

في لحظات العنف القصوى، لا يُستهدف الجسد وحده، بل تُستهدف الرموز التي يحملها. من هذا المنظور، لا يمكن قراءة حادثة قيام أحد المتشددين بقصّ ظفيرة امرأة كردية من روج آفا في شمال سوريا بوصفها فعلًا معزولًا أو سلوكًا فرديًا. إنها رسالة سياسية مكتملة الأركان، موجّهة إلى المرأة وإلى شعبها في آن واحد.

ظفيرة المرأة، في كثير من الثقافات، ليست تفصيلًا جماليًا عابرًا. إنها امتداد للهوية، وذاكرة اجتماعية مجدولة بالصبر والتاريخ. وفي الثقافة الكردية تحديدًا، تحمل الظفيرة دلالات تتجاوز الجمال، لتلامس معنى الانتماء والاستمرارية في مواجهة محاولات الإلغاء والطمس. لذلك يصبح استهدافها فعلًا مقصودًا، يهدف إلى كسر الرمز قبل كسر الإنسان.

العنف الذي تعرّضت له المرأة الكردية في روج آفا هو شكل من العنف الرمزي الممنهج، حيث يُستخدم الجسد الأنثوي كساحة لإيصال رسالة أيديولوجية: إخضاع المرأة عبر إذلالها، وإخضاع الجماعة عبر تشويه أحد رموزها الثقافية. هذا النوع من العنف ليس جديدًا في تاريخ الجماعات المتشددة، التي أدركت مبكرًا أن السيطرة لا تتحقق بالقوة العسكرية وحدها، بل عبر تحطيم المعنى والهوية.

غير أن هذه المحاولات غالبًا ما تأتي بنتائج عكسية. فما يُراد له أن يكون إذلالًا يتحول إلى فضحٍ أخلاقي للفكر الذي يقف خلفه. فقصّ ظفيرة امرأة بالقوة لا ينجح في محو الرمز، بل يعيد إنتاجه في المجال العام، ويحوّله إلى قضية رأي عام تتجاوز حدود الجغرافيا والانتماء القومي.

إن ما حدث في روج آفا لا يخص النساء الكرديات وحدهن، بل يضع المجتمع الدولي، ولا سيما الحركات النسوية ومنظمات حقوق الإنسان، أمام مسؤولية واضحة. فالصمت إزاء هذا النوع من الانتهاكات لا يمكن تبريره بالحياد الثقافي أو التعقيد السياسي. العنف ضد النساء، حين يُمارَس باسم العقيدة أو الهوية أو السلاح، هو انتهاك كوني يستوجب موقفًا كونيًا.

موقف نساء العالم، ومعهن كل المدافعين عن الكرامة الإنسانية، ينبغي ألا يقتصر على الإدانة العابرة، بل أن يتخذ شكل تضامن فعّال يرفض تحويل جسد المرأة إلى أداة صراع، أو رمز إذلال، أو وسيلة لإيصال رسائل الكراهية. فالدفاع عن امرأة واحدة هو دفاع عن المبدأ الذي يحمي الجميع: حق الإنسان في جسده، وهويته، وكرامته.

في النهاية، قد تُقصّ الظفيرة، لكن المعنى الذي تحمله لا يُقصّ. فالهويات التي تشكّلت عبر التاريخ والمقاومة لا تُمحى بسكين، والنساء اللواتي حُوّلن إلى هدف للعنف أثبتن، مرارًا، أن الجسد يمكن أن يكون مساحة مقاومة، لا مساحة هزيمة.

ظفيرة المرأة، في هذا السياق، ليست رمزًا جماليًا فحسب، بل موقفًا سياسيًا صامتًا، يذكّر العالم بأن محاولات الإخضاع، مهما بدت قاسية، لا تملك الكلمة الأخيرة.

 

 

 


مشاهدات 71
الكاتب فرح صابر
أضيف 2026/02/16 - 4:20 PM
آخر تحديث 2026/02/16 - 11:38 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 1 الشهر 12767 الكلي 13944411
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/2/17 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير