أذن وعين
شيء من مكر التاريخ وعبثه
عبد اللطيف السعدون
لعل من مكر التاريخ وعبثه أن يستعيد البعثيون والشيوعيون في العراق ذكريات الصراع الدموي الذي عاشوه في أعقاب ثورة الرابع عشر من تموز التي قضت على النظام الملكي، وأن يحمل كل طرف الطرف الآخر مسؤولية إطلاق عمليات تبادل الدم بالدم بينهما، ومناسبة استعادة تلك التداعيات السوداء مرور اثنين وسبعين عاما على حدث الثامن من فبراير/ شباط عام 1963 الذي يسميه البعثيون «عروس الثورات» فيما يعتبره الشيوعيون انقلابا عسكريا أعاد العراق الى الوراء.
ليس هذا هو نقطة الخلاف الوحيدة التي ظهرت في سجالات هذا العام على مواقع التواصل انما تناسلت الأسئلة من قماشة: من بدأ مسيرة الدم؟ من زرع بذرة الخلاف والاختلاف بين الحزبين، وقد كانا قد ائتلفا في «جبهة وطنية» الى جانب أحزاب أخرى قبل أن يشتركا معا في أول حكومة «جمهورية» دب الخلاف بين أعضائها قبل أن يجف الحبر الذي كتبت به مراسيم تشكيلها، ومن ثم أيضا ما الذي جعل «الرفاق» يتنازعون أمرهم بينهم، وسرعان ما تفرقوا أيدي سبأ، ولم يجدوا ما يحتكمون اليه سوى الدم؟
انهيار قيم
أنه «مكر التاريخ» الذي قال هيغل انه يظهر عندما تكون حصيلة عمل امرئ ما غير ما فكر فيه وسعى لتحقيقه، وهو ضرب من العبثية قد يتجسد على وطأة مسيل الدم، وانهيار القيم، وخراب البلاد، وهذا ما شهده العراقيون منذ أن «سقطت المدينة» بعد الرابع عشر من تموز وبدأت قيم التحضر والمدنية بالانحسار شيئا فشيئا، وتراجع دور الطبقة المتوسطة في كل مرافق ومؤسسات المجتمع، وأيضا داخل الأحزاب والحركات السياسية، وترافقت مع هذا التحول موجة «شعبوية» حفزت كلا من الحزبين الشيوعي والبعث على الزعم أنه مفوض، دون غيره من الأحزاب، للتعبير عن روح الشعب وحركته الصاعدة، وبهذا المنطق كان الحزب يغادر الحوار، ويتنكر للرأي الآخر، ويحتكر لنفسه ما يراه حقيقة قد لا يقر بها الخصم، ويتطلع للسيطرة على الفضاء السياسي لوحده، هنا تطورت الحكاية، تحول الخصم في الرأي والفكرة إلى عدو يجب القضاء عليه، ودخلت نظريات «المؤامرة» و»العمالة للأجنبي» و»التجسس» الى آخر «المونولوج» لتضفي على البلاد مناخا من التعصب والثأر ومبادلة الدم بالدم!
وقد انزلق المثقفون والأدباء والشعراء نحو هذا المنحى، وتحول بعضهم الى كتاب «لافتات» تمجد العنف، وتدعو لقتل الآخر المخالف أو المختلف، في حينها توعد الشاعر عبد الوهاب البياتي الخصوم بأن «يجعل من جماجمهم منافض للسجاير»، وكتب الشاعر الجواهري قصيدة خاطب بها حاكم العراق آنذاك الزعيم عبدالكريم قاسم: « فضيق الحبل واشدد في خناقهمو/ فربما كان في ارخائه ضرر/ تصور الأمر معكوسا وخذ مثلا/ في ما يجرونه لو أنهم قدروا»، ورد البعثيون على خصومهم منذرين ومفاخرين بأن «وطنا تشيده الجماجم والدم/ تتهدم الدنيا ولا يتهدم»!
مجازر دم
في ظل هذا المناخ «المبرمج» الذي ساد البلاد آنذاك تفجرت مجازر الدم، بدايتها كانت بمدينة الموصل اذ افدم الشيوعيون في أعقاب فشل تمرد عسكري قاده أحد الضباط القوميين في مارس/ آذار من عام تسعة وخمسين على تشكيل «محاكم شعبية» قضت بقتل عديد من شخصيات المدينة بدعوى تعاطفهم مع حركة التمرد، وجرى تعليق وسحل جثث من وصفتهم صحيفة الحزب بأنهم «مجرمون قتلة» واعتبرت ذلك «درسا قاسيا للمتآمرين وضربة بوجه دعاة القومية»، وتكرر الأمر في مدينة كركوك بعد شهور من واقعة الموصل حيث تم قتل وسحل العشرات من أبناء المدينة التركمان بأيدي مناهضين لهم من الشيوعيين والأكراد، في حينها تساءل عبدالكريم قاسم: «هل فعل جنكيز خان أو هولاكو مثل فعلتهم؟»
لكن الأقدار لا تسير على نحو مستقيم الى آخر الشوط، وهذا ما حدث عندما قدر للبعثيين أن يصلوا إلى السلطة وحانت فرصة الانتقام من خصومهم على نحو ممنهج حيث جرت محاكمات صورية للعشرات من القادة الشيوعيين وأنصارهم، وتعرض العديد منهم للقتل والإبادة.
وهكذا، في كل مرة يتبادل فيها الجلادون والضحايا أدوارهم يخسر العراق المئات ممن لا يمكن الشك في وطنيتهم وإخلاصهم لبلدهم، ويبقى في النهاية سؤال أكبر من كل الأسئلة التي طرحتها سجالات مواقع التواصل: أما آن الأوان للحزبين اللذين مازالا في الساحة رغم الضربات التي أثخنت جسديهما أن يبادرا بالاعتذار من بعضهما البعض، وقبل ذلك الاعتذار من شعبهما عما ارتكباه من أخطاء وخطايا؟