أريدُ أنْ أراهُ أوْ أسمعُ صوتهُ
محمد خضير الانباري
— إلى أين تمضين بكل هذا التعلّق، يا صغيرتي؟
— إلى ما ظننته نجاةً، فإذا به امتحان.
— وكيف عرفتِ ذلك؟
— لأن قلبي أحبّه سريعًا، وأخاف فقده أكثر، مما أخاف ضياعي.
— ألم تتعلّمي بعد أن القلوب قد لا تُحسن الاختيار؟
فدقّاتها أحيانًا تختلف.
— لقد تعلّمت… ولكنني في كل مرة أظن أنني هذه المرة أبصر.
— أتبصرين بعينيك، أم بعقلك، أم بحكمتك؟
— بل برغبتي، وما الرغبة إلا مرآة مائلة.
— ولمَ تحزنين إذا أُغلِق باب؟
— لأنني رأيت فيه حلمي، ولم أرَ ما كان ينتظرني خلفه.
لقد بنيت آمالًا… كثيرة، ثم خاب ظنّي.
— وهل كل ما يشبه الحلم خير؟
— لا… ولكن القلب يصدّق الوهم إذا تزيّن بالأمل.
— كم مرة أحببتِ شيئًا، ودافعتِ عنه، ثم شكرتِ الله حين ابتعدتِ؟
— مراتٍ لا أستطيع عدّها، وفي كل مرة أتعجّب من نفسي الأولى.
— إذن، لمَ لا تثقين بالحكمة قبل التجربة؟
— لأن الألم هو المعلّم الذي لا نصدّقه، إلا بعد أن نتعلّم.
— وهل الكره دليل شر؟
— ليس دائمًا…
فكثيرًا ما كرهتُ الصبر، وكان فيه نجاتي،
وكرهتُ الفقد، فكان فيه اكتمالي،
وكرهتُ الانتظار، فإذا به يربّيني ببطء.
— إذن ما الخلاصة؟
— أنني لا أعرف، مهما ظننت أنني أعرف.
— ومن يعرف إذن؟
— من يرى العاقبة قبل البداية،
ومن يعلم خفايا الأمور قبل أن تُكشف،
ومن يكتب الأقدار بحكمةٍ لا تخطئ.
— فماذا عليكِ أن تفعلي؟
— أن أُخفِض صوت رغبتي،
وأرفع يقين قلبي،
وأمشي مطمئنة، ولو لم أفهم.
فأُغلِق الحوار،
وعاد الكلام ببراءة الأطفال، بلا فقدان…
وقبلتُ بالعرض،
وكانت الرسالة قد وصلت.