الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
أسرار رحلة أول عراقي من الشرق الى العالم الجديد

بواسطة azzaman

أسرار رحلة أول عراقي من الشرق الى العالم الجديد

دولت موسى ابونا

 

كان أول سائح من الشرق إلى أميركا بعد إكتشافها من قبل كريستوف كولمبس ب (170) عام . المواطن العراقي الخوري “إلياس حنا أبونا”، ركب البحر من قادس ميناء في إسبانيا عام (1675م)  التي قادته الى ليما عاصمة بيرو في أميركا الجنوبية , وهنالك كتب مدونة الجزء الأول والجزء الثاني من رحلته باللغة السريانية ضمنهما تاريخ اكتشاف أميركا وأخبار شعوبها وخصائصهم وأخبار ملوكها .

     الكل يعرف، كان السفر إلى أميركا في ذلك الوقت، يعتبر بحق مغامرة كبيرة، وفريدة يقوم بها رجل قروي من بلدة ألقوش، شمال مدينة الموصل, كان ركوب البحر بالسفن الشراعية التي تلعب بها الرياح عبر المحيط مجازفة. ولكن رغم كل هذه الصعوبات , خاض المغامرة هذا الكاهن بشجاعة منقطعة النظير , قطع الصحارى وتسلق الجبال الوعرة واجتاز الأنهار والغابات وأوى إلى الكهوف ونام فوق الأشجار مخافة الحيوانات المفترسة والأفاعي وقاوم لصوص الطرق وسفن القراصنة في عرض المحيط الاطلسي .

لفته سريانية

    لقد ترجمت المدونة لأهميتها وقيمتها التاريخية والمعلومات والتجارب التي تحتويها من اللغة السريانية إلى اللغة العربية ، ثم ترجمة الى اللغات الانكليزية , الاسبانية , التركية ,الفارسية , وقيد الترجمة باللغة الفرنسية . ومن الجدير بالذكر أن نص المدونة نشر للمرة الأولى , قبل أكثر من مائة عامٍ, في دورية (المشرق) التي كان يحررها الأب أنطوان رباط, ففي عام 1905. اكتشف الأب رباط مخطوطة الرحلة في مكتبة مطرانية السريان في حلب .

    ولكن الأهم من كل هذا والأكثر إثارة، أنّ النص عبارة عن ثروة حقيقة لكونه تسجيلاً لواقع أقدم رحلة قام بها رحّالٌ عراقي شرقي إلى أميركا في النصف الثاني من القرن السابع عشر, وأن الرحلة دامت 15 عاماً (1668-1683) , جاءت في فترة شهدت فيها القارة الأمريكية حمى بناء المستوطنات والبحث عن الذهب والفضة وانتشار العبودية و نشاط (ديوان التفتيش الكاثوليكي) وعمليات التنصير والتعذيب والإبادة التي مارسها المستعمرون الإسبان ضد أبناء القارة الأمريكية .

     تنقسم مدونة الرحلة إلى أربعة أجزاء بما يسهل على القارئ قراءتها حسب مراحلها الجغرافية. الجزء الأول هو الرحلة الأوروبية من بغداد إلى لشبونة ثم الرحلة الأمريكية من مدريد إلى كاراكاس ثم  رحلة المكسيك إلى كوبا وأخيراً رحلة العودة من كوبا الى العراق.

 

 انطلق الخوري الياس في رحلته من بغداد سنة 1668 فمضى في اتجاه دمشق برفقة الطوبجي باشي القبرصي ميخائيل أغا مدبر الطوبخانات الشاهانية (المدفعية) في السلطنة العثمانية ومعهما جماعة من المرافقين. ويذكر في طريق من بغداد إلى الشام “ثم اننا سرنا في درب القفر, ففي نصف الدرب خرج علينا لصوص مقدار مائة نفر وصار بيننا حرب فظفرنا بهم. وكان عددنا اثني عشر نفساً, لكن بقوة آلات الحرب وبالتفنّن انتصرنا عليهم”.

     وبعد مرور سبع سنوات على مغادرته بغداد وصل الكاهن ألياس إلى الميناء الإسباني قادس في عام 1675, والتقى دون نيقلاوس ده كوردووا جنرال السفن الذي أفرد له غرفة خاصة في السفينة الملكية, بأمر من ملكة أسبانية, تبحر السفينة إلى أمريكا مرة كل ثلاث سنوات وتحضر من هناك خزينة الملك من المال الذي يجنى للعرش من ثروات المستعمرات.

     اقتبس هنا بعض ما سرده من تفاصيل رحلته: يصف لنا التمساح المعروف باسم قيمان (Caiman) ويقول “حيوان مثل التنين , فمه واسع وطوله مقدار خمسة أشبار , وطول جسده خمسة أذرع . هذا إذا صادف إنساناً أو حيواناً بالحياة يبتلعه , ولكن لا يأكل لحم الميت , فيخرج من الماء ويركض على يديه و رجليه . فإذا  جاء فرس أو ثور يشرب ماء من النهر ينقض عليه ويسحبه , فيجتمع عليه البعض من هؤلاء الحيوانات ويقطعوه ويأكلوه. فقط الكلاب ينجون من هذه الحيوانات , فإذا أرادت الكلاب أن تشرب ماء تنبح أولاً , على حافة النهر, فيسمع هذا الحيوان أصواتها، فيخرج ليبتلعهم. فعند ذلك ترجع الكلاب هاربة وراكة إلى مكان آخر لتشرب.هكذا تتحايل الكلاب على التماسيح. أما الحيلة التي يصطاد بها الهنود هذا الحيوان , فهي أنهم يأخذون وتداً قدره نصف ذراع ورأسا العود منحوتان نحتاً رفيعاً ويربطون في نصف العود حبلاً متيناً. وهذا العود يشوونهويصقلونه مثل السيف , حتى يبقى صلباً ثم يروح أحد الهنود ويجلس كامناً على جانب النهر, فلما يخرج هذا الحيوان وينظر الهندي فيقصد ابتلاعه ويفتح فاه ليبتلعه , حينئذ يدفع الهندي ذلك العود المنحوت في فم الحيوان وهو ماسكه بيده فلم يقصد أن يطبق فاه ينغرس في فمه من الطرفين , ثم يسحبونه بعزم شديد إلى الأرض , يجاهدون أن يقلبوه على ظهره ليمنعونه عن المشي , حينئذ يقطعونه”.  

     ويذكر أنه علم هنالك مدينة يستخرج من حجارها  الزئبق فقرر الذهاب اليها يشرح لنا بالتفصيل مشاهدته ” يقطعون الحجارة ويخرجونها من تحت الأرض إلى فوقها .ثم أروني كيف يخرجون الزئبق منها, فأدخلوني إلى بيت جعلوا أرضه ثقوباً ملصوقة ببعضها, موضوعاً في كل منها نحاس مصفوفة ومنصوبة صفوفاً صفوفاً , ولها فم واحد منصوب إلى فوق , والفم الأسفل مسدود وغير مفتوح مثل أجران . فيضعون حجارة الزئبق بصنعة مصطفة فوق النحاس , كمثل الفاخوري في أفران الخزف وكذلك يضعون الحجار على النحاس .

     هذا البيت له سقف مغطى عالٍ فيه أبخاس (فتحات) لأجل منفذ الدخان. ثم يضعون الحطب فوق تلك الحجارة ويضرمون فيه النار فيشعل وتسخن الحجارة سخونة قوية, ويجري منها الزئبق هارباً ومنحدراً داخل تلك النحاس . فعند ذلك يفهم معلمو الزئبق فيهدئون النار, ويخلونه يوم وليلة حتى يبرد وبعد يرفعون الحجار والرماد ويلقونه خارجاً ويخرجون الزئبق من تلك النحاس . وقد أكرموني بكمية منه”.

    وأما عن استخراج الفضة فهو يشرح بشكل دقيق هذا الجانب ويقول : علمت ان هنالك بلدة يعيشوا الناس فيها على استخراج الفضة فقررت الرحيل اليها  ومشاهدت :”كيف يطحنون الحجار مثل التراب ويجعلونها في الماء كالطين وبعد ذلك يمزجون فيه الزئبق وطول النهار يحركونه مقدار عشرة أيام أو اثني عشر يوماً, والزئبق يجمع الفضة ويلتصق بها . وبعد أيام يغسلونه في حوض مبطن بجلد البقر, والماء يأخذ التراب ويزيله . والفضة ترسب إلى الأسفل. هذه الصنعة تفرجت عليها عياناً” .

اشجار الكاكاو

     وفي وصفه إلى شجرة كاكاو يقول ” قصدت قرية تسمى بابا (Baba) يقطنها الهنود والاسبان, يوجد فيها جنس أشجار كأشجار التوت تحمل ثمر تسمى كاكاو يعملون منها  الجوكولاتا وهذه الثمر تراه مثل البطيخ, متعلقا وملتصقا على جسم الشجرة. فلما يبلغ ويصفر يأخدونه ويقطعونه, ففي داخله يخرج الثمر وهو حبوب أخشن من الفستق, ثم ييبسونه حتى ينشف, وبعد ذلك يقلونه فتراه كالقهوة في اللون والطعم والريحة لكن اكثر  دسامتاً يصير مثل العجين ويضيفون إليه من السكر على قدر الحاجة وكذلك أيضاً من القرفة والعنبر خام , يجبلونه عجيناً ويجعلونه أقراصاً وينشفونه بالفئ. ومن هذه الأقراص يغلونها ويشربونها مثل القهوة “.

    يذكر في ديباجة المدونة “إن (اسم أمركة مسلوب) يريد أن الإقليم الذي وصفه كان حقه أن يسمى باسم مكتشفه كريستوف كولومبس. يقول في صفحة 201 من مخطوط الكتاب “كان قي رفقة المكتشفين رجل اسمه ميريكو من إيطالية من مدينة فلورنسا وكان نوتياً في المركب ذا تدبير وعلم وعقل . فشخص تلك الأرض و هنودها على ورقة (خارطة) وعرضها على ملك إسبانيا فحينئذ سميت تلك الأرض ميريكا…وبالحقيقة كان من الواجب أن تسمى باسم كولون (كولومبس) لأنه كان المبتدىء والمجتهد في هذا الأمر .وهكذا انتشرالاسم في الارض المعمورة “.


مشاهدات 112
الكاتب دولت موسى ابونا
أضيف 2026/02/14 - 12:41 AM
آخر تحديث 2026/02/14 - 10:55 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 371 الشهر 10494 الكلي 13942138
الوقت الآن
السبت 2026/2/14 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير