بعد 11عاما على رحيل عبد الرزاق عبد الواحد.. يرى المنافي أقفاصا حتى لو كانت ذهبية
مجيد السامرائي
– المتنبي (وحده ) يصفعني… وأسجد له
– قلت ذات مرة: لابي خالد الخالد الذكر عبد الرزاق عبد الواحد مما احفظه عنك : يا صديقي و سيدي المتنبي» ما تشائين فاعصفي يا رياحُ لا يخاف السقوط هذا الجناحُ
“لا صداقة بين السيد والعبد»
. لكنك خاطبت المتنبي بقولك “ياصديقي وسيدي المتنبي «.
**– نعم. “سيد” لا تعني العبودية. بل تعني إنساناً أقف أمامه خاشعاً.
مثلما نقول: سيدنا رسول الله، لا يعني أنني عبد له، بل أنا عاشقٌ له.
– قيل مرة: “هل لازال عبد الرزاق عبد الواحد يتطاوس؟»
**– (ضاحكاً) هذه مشيتي... والله ما أعرف غيرها.
حتى أيام كلية الآداب، دعاني الدكتور جابر عمر وقال لي:
“عبد الرزاق، هل يمكنك أن تغيّر طريقتك بالمشي؟»
فقلت له: “دكتور، هذه مشيتي الطبيعية!»
فردّ: “يبدو أنك طاووس... وأنت لا تدري!»
– وهل كنت تعلم؟
**– ربما كنتُ مغترًا بنفسي... ولم أدرِ.
– يُقال إنك علمت طلابك أن يلقوا الشعر وأيديهم في جيوبهم...
– والله ما علمتهم ذلك. لكنهم رأوني كيف ألقي، فصاروا يقلدون.
أنا، تصدق يا مجيد، أني من فرط القلق أضع يدي في جيبي حين ألقي الشعر.
أفعل ذلك لأني أحترم جمهوري، وأخاف منه حدّ الموت.
لا أعرف ماذا أفعل بيديّ، فأضع اليمنى في الجيب لأتوازن… فقط لأتوازن.
– حتى بعد هذه السنوات، ما زلت تخاف الجمهور؟
**– وخاصة أمام العراقيين. نعم. لا يرحمون. لا يجاملون.
والشاعر يقول: «إني لأفتح عيني حين أفتحها… على كثيرٍ ولكن لا أرى أحدا.»
أنا شاعر منبري، لكن خوفي منهم يجعلني أكثر صدقاً.
– وهل تراهم كتلة واحدة؟ أم تميز شخصًا بعينه؟
**– ذكرتني بموقف.
كنا نجلس في مقهى البرلمان، أو في مقهى حسن عجمي.
كنا كوكبة الشعراء: بدر شاكر السياب، رشيد ياسين، بلند الحيدري،
أكرم الوتري، محمود البريكان، سعدي يوسف، وأنا… كنا شباباً.
في أحد الأيام، جئتُ لأجد فقط بدر في المقهى.
جلسنا ننتظر الآخرين… ثم قال لي: «عبد الرزاق، اقرأ لي شعراً.»
قلت له: «أنا؟ مجنون؟ أقرأ لك أنت؟ تضحك عليّ؟»
فردّ: “ليش عبد الرزاق؟ أنا ما أصلح أكون جمهورك؟ أنا الآن جمهورك… اقرأ لي.»
– وهل قرأت؟
– نعم، قرأت… وتعلمت درساً لا أنساه.
أدركت يومها أن شاعراً مثل بدر يمكن أن يكون جمهوراً كاملاً.
علمت طلابي هذا المعنى: أن القصيدة لا تكتمل إلا إذا جرّدتها من الزوائد
وأبقيت جوهرها فقط.
– وهل كانت كلمات بدر درساً شعرياً؟
**– بل كانت دروس عمر. قال لي:
“يا عبد الرزاق، أنت لست الشاعر وأنت تكتب القصيدة…
أنت الشاعر حين تسقط منها كل زوائدها…
وتُبقي قلبها وحده ينبض.»
هذا هو الشعر… لا في الهيبة، ولا في المشية…
في الصدق وحده، في القلب وهو يرتجف من أمام جمهوره.**
– عندما تحدّثت عن القصيدة، قلت لهم: “عليك أن تطوّع نفسك، أن تُجسّرها، أن تقطع هذه الزوائد، ولو كانت من لحمك ودمك.» هل تقصد أن الشاعر جزار لغته؟
– نعم، جزار لكن بروح عاشق.
أروي لهم دومًا قصة النحّات العظيم، حين جاءه أحد الأثرياء وسأله:
“كيف تحوّل هذه الصخرة إلى تمثال؟»
قال له: «أنا لا أحوّلها… التمثال موجود في الصخرة، أنا فقط أُسقِط الزوائد، فيبقى التمثال.»
اسقاط الزوائد
هكذا الشعر… أسقط الزوائد، واترك الجوهر.
ولهذا تذكرت بدر… بدر السياب. علّمني هذا الدرس يوم قرأت له أول مرة.
– وهل كنت ترى في بدر جمهوراً كاملاً؟
– بل جمهوراً عظيمًا.
تخيل، بدر… وحده بدر، قال لي: “اقرأ لي شعراً.»
قلت له: “أنا؟ تقرأ لي؟»
قال: “أنا جمهورك الآن.»
فتعلمت: بدر يمكن أن يكون جمهوراً كاملاً.
– والمربد؟ كنت تفتتحه أنت. تقول كلماتك كانت تهزّ القاعة، وأحيانًا يخال الناس أنك تخاطب شخصًا، لكنك كنت تخاطب العراق.
– نعم. قلت يومها:
لك وحدك أملك أن أرخص نفسي
لك وحدك أحني رأسي لجلالك
لك وحدك أرفع مخمورًا كأسي
مترعةً… بدن… هذا قلمي
ممتلئ بك حدّ الإرهاق
مختوم باسمك حتى تُرفع هذه الأوراق
وعندما قلت: «يا هذا الساكن في أحداقي… باسمك نبدأ، واسمك آخر ما نلفظه حين نموت»
أقسم… القاعة كلها ضجّت.
وصرخت: باسم العراق!
فانفجر التصفيق. هذا ليس تذلّلاً.
هذا ولاء.
أنا لا أحني هامتي إلا للعراق.
– ولمن تبيع روحك؟
– للعراق، فقط.
أنا لا أطلب مالًا، لا منصبًا. أبيع روحي للعراق.
ومن أشعر مني؟
المتنبي، طبعًا.
– فقط المتنبي؟ لا البحتري؟ لا أبو تمام؟
– لا أحد غيره.
لكني أقول له: أنت لم تكتب «الحر الرياحي».
لم تكتب دراما شعرية مثل “قصة دنيا” أو «يا دجلة الخير».
أنا سيّد الدراما في الشعر العراقي.
المتنبي سيّد الكلاسيك، وأنا معه.
– وهل تتخيل لقاءً وجهاً لوجه مع المتنبي؟
– نعم، يصفعني… وأسجد له.
لكن لا سيدة من غير مسود.
هو سيد… وسأبقى من تلامذته.
– وفي أحد اللقاءات قلتها بحدة: “هذا المتنبي… شنو المتنبي؟» هل كنت تستفز التاريخ؟
– لا. بل كنت أستفز نفسي.
المتنبي صعب… شاعر يصعب الاقتراب من وهجه.
لكني وقفت أمامه ذات يوم، لا بتحدٍ، بل بإجلال.
– بعد أكثر من خمسين سنة شعر… هل تخشى أحداً؟
– فقط جمهوري…
فقط العراق.
– المتنبي العظيم… لكنك متنبي عصرك؟
– نعم، هو متنبي عصره… وأنا متنبي عصري.
بل أحيانًا وأنا على المنبر، كنت أتمثل نفسي قصيدة تمشي، لا تلقي بل تعيش ما تقول.
في أحد أمسيات المربد، قلتها في نفسي:
يا عبد الرزاق… ميلادك في موتك، وموتك في صوتك.
– وهل كنت ترى موتك الشعري في كل قصيدة تولد؟
– نعم… في القصيدة نموت ونُبعث.
فتأمل… بكاء ولدنا، وبكاء نموت، فمتى تتعلّم أن السكوت أبلغ الآيتين؟
قالوا لي بعدها: «أنت رحت.»
قلت لهم: مَرّت…
لكن تعبت؟ لا… حين يكون الحديث عن العراق والشعر لا أتعب.