الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الذكاء الاصطناعي وأتمتة الإعلام

بواسطة azzaman

الذكاء الاصطناعي وأتمتة الإعلام

عصام البرّام

 

يشهد العالم اليوم تحوّلًا جذريًا في صناعة الإعلام، تقوده الطفرة المتسارعة في تقنيات الذكاء الاصطناعي وأدوات الأتمتة. لم يعد الذكاء الاصطناعي مفهومًا نظريًا أو حكرًا على المختبرات، بل أصبح حاضرًا في غرف الأخبار، يكتب الأخبار العاجلة، ويحلل البيانات الضخمة، ويقترح العناوين، بل ويُنتج مواد صحفية كاملة في بعض الحالات. هذا الواقع الجديد يطرح سؤالًا مقلقًا ومغريًا في آن واحد: هل نحن على أعتاب نهاية عصر الصحفيين البشريين؟

لفهم عمق هذا السؤال، لا بد من الاعتراف أولًا بأن الذكاء الاصطناعي أثبت كفاءة عالية في مجالات محددة من العمل الصحفي. فخوارزميات معالجة اللغة الطبيعية قادرة على توليد تقارير مالية ورياضية بدقة وسرعة تفوق البشر، خصوصًا حين يتعلق الأمر ببيانات منظمة ومتكررة. العديد من وكالات الأنباء العالمية تستخدم بالفعل هذه التقنيات لإنتاج آلاف الأخبار القصيرة يوميًا، دون تدخل بشري مباشر. من منظور إداري واقتصادي، يبدو الأمر منطقيًا؛ تقليل التكاليف، تسريع الإنتاج، وتغطية مساحات لم يكن ممكنًا تغطيتها سابقًا.

لكن الصحافة ليست مجرد نقل معلومات أو إعادة صياغة بيانات. جوهر العمل الصحفي يرتكز على الفهم والسياق والحس الإنساني. الخبر لا يعيش بمعزل عن خلفيته السياسية والاجتماعية والثقافية، وهنا تظهر الفجوة التي لا يزال الذكاء الاصطناعي عاجزًا عن ردمها بالكامل. فالخوارزمية قد تعرف ماذا حدث، لكنها لا تفهم دائمًا لماذا حدث، ولا تدرك تبعاته العميقة على البشر، ولا تستطيع التقاط النبرة الإنسانية في قصة لا تُختزل في أرقام أو وقائع مجردة.

الخوف من استبدال الصحفيين بالآلات ليس جديدًا، لكنه اليوم أكثر واقعية من أي وقت مضى. مع كل تحديث تقني، تتسع قدرات الذكاء الاصطناعي، ويزداد قلق العاملين في المجال الإعلامي من فقدان وظائفهم أو تهميش أدوارهم. غير أن التاريخ يُظهر أن التكنولوجيا غالبًا ما تعيد تشكيل المهن بدلًا من إلغائها بالكامل. كما غيّرت الكاميرا الرقمية عمل المصورين دون أن تقضي عليهم، وكما بدّلت الإنترنت شكل الصحافة دون أن تنهيها، فإن الذكاء الاصطناعي مرشح لأن يعيد تعريف دور الصحفي لا أن يلغيه.

الدور الجديد للصحفي البشري قد يتحول من منتج مباشر لكل كلمة إلى مشرف ومحرر ومحلل. سيصبح الصحفي أكثر انخراطًا في التحقيقات المعمقة، والقصص الاستقصائية، والتحليل النقدي، وصناعة السرد الإنساني، بينما تتولى الآلات المهام الروتينية والمتكررة. في هذا النموذج، لا يكون الذكاء الاصطناعي خصمًا، بل أداة مساعدة، تتيح للصحفي وقتًا وجهدًا للتركيز على ما لا تستطيع الآلة القيام به.

مع ذلك، لا يمكن تجاهل المخاطر الأخلاقية والمهنية المرتبطة بأتمتة الإعلام. فالذكاء الاصطناعي يتعلم من البيانات المتاحة، وهذه البيانات قد تكون متحيزة أو ناقصة أو ملوثة بالمعلومات المضللة. إذا تُركت الخوارزميات دون رقابة بشرية صارمة، فقد تُعيد إنتاج الانحيازات نفسها، أو تساهم في نشر أخبار غير دقيقة، أو تفتقر إلى الحساسية في قضايا اجتماعية شائكة. هنا تظهر أهمية الصحفي البشري كحارس للقيم المهنية، ومسؤول عن التحقق والمساءلة.

هناك أيضًا بُعد يتعلق بالثقة. الجمهور لا يستهلك الأخبار فقط، بل يبني علاقة ثقة مع المؤسسة الإعلامية والصحفيين الذين يقفون خلفها. معرفة أن الخبر كُتب بواسطة إنسان لديه مسؤولية أخلاقية وقانونية تختلف نفسيًا ومعنويًا عن معرفة أنه نتاج خوارزمية بلا وعي أو ضمير. هذه الثقة عنصر أساسي في بقاء الصحافة كسلطة رابعة، ولا يمكن تعويضها بسهولة بالتكنولوجيا.

في العالم العربي، يكتسب هذا النقاش خصوصية إضافية. فالمؤسسات الإعلامية تواجه تحديات مركبة تتعلق بالتمويل، والحرية، والمهنية، والتدريب. إدخال الذكاء الاصطناعي إلى هذا السياق قد يكون فرصة لتحسين الأداء ومواكبة العصر، لكنه قد يتحول أيضًا إلى أداة لتكريس الرداءة أو الاستغناء عن الكفاءات البشرية بدل تطويرها. مستقبل الصحافة العربية في عصر الذكاء الاصطناعي سيتوقف إلى حد كبير على كيفية تبني هذه التقنيات، وعلى الاستثمار في تأهيل الصحفيين لا إقصائهم.

إذن، هل سينتهي عصر الصحفيين البشريين؟ الإجابة الأقرب إلى الواقع هي لا، لكنه سيتغير جذريًا. الصحفي الذي يرفض التكنولوجيا أو يتجاهلها قد يجد نفسه خارج المشهد، بينما الصحفي الذي يفهم أدوات الذكاء الاصطناعي ويستخدمها بذكاء سيصبح أكثر تأثيرًا وقدرة على المنافسة. المسألة ليست صراعًا بين الإنسان والآلة، بل شراكة معقدة تحتاج إلى وعي وتشريعات وأخلاقيات واضحة.

من هنا، يبقى الإعلام فعلًا إنسانيًا قبل أن يكون عملية تقنية. قد تكتب الآلة الخبر، لكنها لا تعيش القصة، ولا تشعر بألم أبطالها، ولا تتحمل مسؤولية تبعات نشرها. طالما ظل المجتمع بحاجة إلى من يطرح الأسئلة الصعبة، ويكشف الحقائق، ويمنح صوتًا لمن لا صوت لهم، فإن الصحفي البشري سيظل حاضرًا، حتى في أكثر العصور ذكاءً واصطناعًا.

ولتعميق هذا النقاش، لا بد من التوقف عند التأثيرات بعيدة المدى لأتمتة الإعلام على بنية غرف الأخبار نفسها. فمع اعتماد المؤسسات الإعلامية المتزايد على الذكاء الاصطناعي، ستتغير هياكل العمل، وأنماط اتخاذ القرار، وحتى معايير تقييم الأداء الصحفي. لم يعد عدد الأخبار المنشورة أو سرعة النشر وحدهما مقياس النجاح، بل ستبرز قيمة الجودة، والتميّز في الزاوية، والقدرة على تقديم محتوى لا يمكن نسخه أو توليده آليًا بسهولة. هذا التحول قد يفرض على الصحفيين تطوير مهارات جديدة، تجمع بين المعرفة التحريرية والفهم التقني، ليصبح الصحفي قادرًا على قراءة مخرجات الخوارزميات، ومساءلتها، وتصحيح مسارها.

من جهة أخرى، يفتح الذكاء الاصطناعي آفاقًا جديدة أمام الصحافة الاستقصائية، بدل أن يهددها. تحليل كميات هائلة من الوثائق المسربة، أو البيانات الحكومية، أو سجلات الشركات، كان في السابق يتطلب سنوات من العمل اليدوي. اليوم، تستطيع أدوات الذكاء الاصطناعي مساعدة الصحفي على كشف أنماط خفية، وربط معلومات متباعدة، وتسريع الوصول إلى القصص الكبرى. غير أن هذه القوة التقنية تحتاج إلى عقل نقدي يوجّهها، ويقرر ما هو مهم للنشر، وما يجب التحقق منه، وما قد يؤدي نشره إلى أضرار اجتماعية أو قانونية.

كما أن أتمتة الإعلام تثير أسئلة جوهرية حول استقلالية الصحافة. فمع اعتماد المؤسسات على منصات تقنية تملكها شركات كبرى، قد تنتقل مراكز النفوذ من غرف التحرير إلى مطوري الخوارزميات. إذا كانت الخوارزمية هي من تقرر أي الأخبار تُبرز، وأي القصص تُهمّش، فإن خطر توجيه الرأي العام يصبح مضاعفًا. هنا يتعاظم دور الصحفي البشري في الدفاع عن استقلالية القرار التحريري، وفي المطالبة بالشفافية في عمل الأنظمة الذكية التي تؤثر على المحتوى الإخباري.

ولا يمكن إغفال البعد التعليمي في هذه المرحلة الانتقالية. كليات الإعلام والصحافة مطالبة اليوم بإعادة النظر في مناهجها، بحيث لا تكتفي بتدريس مهارات الكتابة والتحرير التقليدية، بل تُدخل مفاهيم الذكاء الاصطناعي، وأخلاقيات التكنولوجيا، والتحقق الرقمي، والتفكير النقدي في مواجهة المحتوى الآلي. إعداد جيل من الصحفيين القادرين على العمل جنبًا إلى جنب مع الآلة هو استثمار في مستقبل المهنة، لا تنازل عنها.

لذا فأن أتمتة الإعلام ليست موجة عابرة، بل تحوّل بنيوي سيترك أثره العميق على الصحافة لسنوات طويلة. التحدي الحقيقي لا يكمن في قدرة الذكاء الاصطناعي على الكتابة، بل في قدرة الإنسان على الحفاظ على جوهر الصحافة وسط هذا الزخم التقني. فإذا أُحسن استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة داعمة، لا كبديل أعمى، يمكن للصحافة أن تدخل عصرًا جديدًا أكثر قوة وعمقًا وتأثيرًا، يظل فيه الصحفي البشري القلب النابض للمهنة، مهما تطورت الآلات من حوله.

 


مشاهدات 100
الكاتب عصام البرّام
أضيف 2026/02/11 - 2:47 PM
آخر تحديث 2026/02/17 - 7:02 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 236 الشهر 13002 الكلي 13944646
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/2/17 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير