الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
زكي الجابر يترك بصمته في ذاكرة الإعلام.. سيرة شاعر حمل العراق في صوته


زكي الجابر يترك بصمته في ذاكرة الإعلام.. سيرة شاعر حمل العراق في صوته

محمد علي محيي الدين

 

كان زكي محمد الجابر واحداً من أولئك الذين لا يمرّون في الحياة مرور العابرين، بل يتركون خلفهم أثراً يشبه الضوء حين ينسحب من نافذة قديمة: لا يُرى، لكنه يظلّ مقيماً في الذاكرة. وُلد في البصرة سنة 1931، تلك المدينة التي تعلّم منها معنى الماء والملح والشعر، وحملها معه حيثما حلّ، حتى صارت في وجدانه وطناً متنقلاً، وفي شعره رمزاً لا يغيب. أكمل دراسته الأولى في مدينته، ثم شدّ رحاله إلى بغداد، فالتحق بدار المعلمين العالية، وتخرّج عام 1954 حاصلاً على شهادة البكالوريوس في اللغة العربية وآدابها، جامعاً منذ بداياته بين عشق الكلمة ووعي الرسالة الثقافية.

لم يكن الجابر شاعراً فقط، بل كان باحثاً أكاديمياً مشغولاً بسؤال الإعلام والتربية والاتصال الجماهيري، فواصل دراسته العليا ليحصل على الماجستير عام 1960 في البرامج الإذاعية والتلفزيونية الثقافية، ثم على الدكتوراه في الاتصال الجماهيري من جامعة إنديانا الأمريكية عام 1978، ليغدو واحداً من الأسماء العراقية والعربية اللامعة في حقل الإعلام التربوي. تنقّل في التدريس بين بغداد والرياض والرباط، ودرّس الإعلام في الكليات المتخصصة، وفي أكاديمية الفنون الجميلة، وكلية الآداب بجامعة بغداد، وكلية الآداب بجامعة الملك سعود، والمعهد العالي للصحافة في الرباط، وحاضر في عدد كبير من الدول العربية، فكان أستاذاً تتقاطع في محاضراته الثقافة والأدب والفكر الإعلامي، ويشعر طلبته أنهم أمام مثقف شامل لا أمام مدرس مادة محدودة.

برامج اذاعية

في الميدان الإعلامي شغل مناصب عديدة في إدارة البرامج الإذاعية، ورأس قسم الإعلام في بغداد، وتولّى منصب الكاتب العام في وزارة الثقافة والإعلام العراقية، ثم انتقل إلى فضاء عربي أوسع حين عُيّن مديراً للإعلام في المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو) في تونس، حيث أسهم في صياغة خطاب إعلامي عربي تربوي يضع الطفل والإنسان في قلب اهتمامه. كما عمل رئيساً لتحرير “مجلة الإعلام العربي”، وكان من أبرز مؤسسي مجلتي “ألف باء” و“مجلتي”، وأسهم في تأسيس مدرسة الموسيقى والباليه وإعادة تكوين الفرقة السمفونية في بغداد، في مشهد ثقافي يؤكد أن الرجل لم يكن أسير اختصاصه، بل كان مشروعاً ثقافياً متكاملاً.

أما في الشعر، فقد جاء صوته هادئاً، شفافاً، مشبعاً بالحنين والمرارة النبيلة. أصدر ديوانه الأول “الوقوف في المحطات التي فارقها القطار” عام 1972، وكأن العنوان وحده يلخّص فلسفة الغربة المبكرة التي سترافقه طويلاً، ثم أتبعها بديوانه “وأعرف البصرة في ثوب المطر” عام 1978، حيث تحولت البصرة إلى معشوقة شعرية، وإلى ذاكرة ماء ووجع وطفولة. كما حاز الجائزة الثانية من جوائز الأميرة للا أمينة في المغرب عن قصائد الأطفال، ليؤكد أن روحه الشعرية كانت قادرة على مخاطبة البراءة كما تخاطب الأسى.

في التأليف والترجمة والإشراف العلمي ترك الجابر مكتبة كاملة من العناوين التي تُعدّ مراجع أساسية في الإعلام التربوي والثقافي، من بينها: “نظرة في تطبيقات الإعلام الإسرائيلي”، و“الإعلام والتربية”، و“صورة الشرطي الإعلامية وعلاقتها بالطفل”، و“الإعلام والمؤسسات التعليمية”، و“اللغة العربية والإعلام”، و“في الاتصال التربوي وفلسفة وسائل الإيضاح”، و“التعليم عبر القمر الصناعي العربي”، و“التكنولوجيا والسياسة في عصر المعلومات”، إضافة إلى إشرافه وتقديمه لكتب مهمة في الخطاب البصري والثقافة الإعلامية، ومراجعته لترجمات رصينة في الإعلام الحديث. وكان حريصاً في كل ذلك على أن يربط الإعلام بالمسؤولية الأخلاقية والتربوية، لا أن يجعله أداة عابرة للخبر أو الدعاية.

ترأس جمعية المترجمين العراقيين، وكان عضواً في نقابة الصحفيين العراقيين واتحاد الأدباء، وشارك في أكثر من ثمانين ملتقى ومؤتمراً في الثقافة والإعلام، وكأن حياته كانت سلسلة من الحوارات المفتوحة مع العالم. ومع هذا كله، ظلّ يحمل تواضع المثقف الحقيقي، الذي يرى في المعرفة مسؤولية لا وساماً.

ومن طرائف حياته التي تحوّلت إلى شهادة على هدوئه وسخريته الرفيعة، أنه قرأ عام 2001 نبأ وفاته منشوراً في الصحف ومواقع الإنترنت. لم يفزع، ولم يسعَ إلى التكذيب، بل راح يطالع بهدوء ما كُتب عنه من كلمات رثاء وانطباعات، ثم كتب قصيدته الساخرة التي يقول فيها:

يقولون مات في غربته

بعيداً عن الأهل والنخل

عن بصرته

وقبل أوان الرحيل

تساءل في وحشته

من الحي فينا وفي سجنه الانفرادي

مات العراق!

ولم يبكه من أحد

وهل يعرف الميتون البكاء؟

كانت هذه الأبيات مرثية مبكرة للعراق بقدر ما كانت تهكماً على فكرة الموت نفسها، وكأن الشاعر أراد أن يقول إن الغربة الحقيقية ليست غربة الجسد، بل غربة الوطن في قلوب أبنائه.

رحل زكي الجابر فعلياً يوم الأحد 29 كانون الثاني 2012 في منفاه القسري في ضواحي دالاس بولاية تكساس، كما نشرت جريدة “الزمان” الدولية. وبعد أربعينيته أقامت كلية الإعلام حفلاً تأبينياً، ووضعت اسمه على إحدى قاعاتها الدراسية اعترافاً بتاريخه الإعلامي ودوره بوصفه من أوائل مؤسسي قسم الصحافة. غير أن هذا التكريم، على أهميته، لم يكن بحجم ما قدّمه للرؤية الإعلامية العراقية والعربية.

كتب عنه الأديب زيد الشهيد قائلاً إن الجابر قامة كبيرة، بل كبرى، في خارطة الإعلام العراقي والعربي، وإن بصمته عالمية في رؤاه وثقافته وشاعريته، وإن طلبته في بغداد والرباط والقاهرة وجدّة وتونس يشهدون على عمق أثره العلمي والإنساني. وكتب الشاعر خالد الحلي بحزن واضح أن رحيله قوبل بالجحود والإجحاف، داعياً إلى أن يُكرّم في مهرجان المربد الشعري، وأن تبادر وزارة الثقافة واتحاد الأدباء إلى جمع قصائده ونشر أعماله الشعرية كاملة. أما صالح جواد الطعمة فعبّر عن ألمه لأن نتاجه الشعري لم ينل ما يستحق من اهتمام، مشيراً إلى أن آخر دواوينه نُشر عام 1987، وأن هذا الإهمال لا يليق بقامة شعرية وثقافية من طراز الجابر.

هكذا تبدو سيرة زكي الجابر أقرب إلى مرثية طويلة لمثقف عربي عاش بين الشعر والإعلام، وبين الوطن والمنفى، وبين الحلم والخذلان. كان شاهداً على تحولات العراق والعالم العربي، ومشاركاً في صناعتها الثقافية، لا متفرجاً عليها. رحل جسده، لكن صوته ما زال مقيماً في كتبه، وفي ذاكرة طلبته، وفي قصائده التي تشبه محطات قطار لم يتوقف عندها القطار يوماً، لكنها بقيت شاهدة على أن المسافرين الحقيقيين هم الذين يتركون خلفهم معنى لا يزول.

 

 

 


مشاهدات 54
الكاتب محمد علي محيي الدين
أضيف 2026/02/07 - 2:25 AM
آخر تحديث 2026/02/07 - 6:15 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 192 الشهر 4648 الكلي 13936292
الوقت الآن
السبت 2026/2/7 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير