الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
جوهر الديمقراطية الغائب

بواسطة azzaman

جوهر الديمقراطية الغائب

صلاح الدين الجنابي

 

تُقدَّم الديمقراطية غالبًا بوصفها نظامًا لاتخاذ القرار، لكنها في واقع الأمر مفهومٌ أوسع وأكثر تعقيدًا. فهي مصطلح فضفاض قد يُستَخدم أحيانًا لتحقيق أهداف تتناقض مع جوهره، بل وقد يُوظَّف لتبرير ممارسات تُنتج ظلمًا أو تمييزًا تحت غطاء الشرعية.

في هذا السياق، يمكن القول إن أهم ما تمنحه الديمقراطية للفرد والمجتمع ليس القبول، بل القدرة على الرفض؛ الرفض الصريح أو الضمني، الفردي أو الجماعي، لكل حدث أو ممارسة أو قرار يمكن أن يُلحق ضررًا معنويًا أو ماديًا بالفرد أو بالمجتمع، في الحاضر أو في المستقبل. ولا يصبح هذا الضرر خطرًا حقيقيًا إلا حين يكون ناتجًا عن تمييز بين الأفراد على أسس غير دستورية أو غير قانونية.

هنا يتجلى الدور المحوري للمجتمع. فالمجتمع الواعي لا ينتظر وقوع الضرر ليحتج عليه، بل يمارس رفضه مبكرًا، حين تلوح المؤشرات الأولى لانحراف القرار عن معاييره العادلة. هذا الرفض المبكر لا يحمي الأفراد فحسب، بل يحصّن النسيج الاجتماعي، ويحافظ على الثقافة العامة، ويمنع تكريس ممارسات قد تتحول مع الوقت إلى أعراف يصعب تفكيكها.

إن الرفض الواعي ليس فعل فوضى ولا دعوة إلى تعطيل القرار، بل هو أداة تصحيح وضبط. فحين يعبّر المجتمع عن رفضه على أسس قيمية وقانونية واضحة، فإنه يُلزم أصحاب القرار بالعودة إلى التعامل المعياري مع الجميع، ويذكّرهم بأن الشرعية لا تُستمد من الإجراء وحده، بل من العدالة التي تحكمه.

الديمقراطية، في جوهرها، لا تُقاس بعدد القرارات المتخذة ولا بسرعة تمريرها، بل بقدرة المجتمع على الاعتراض حين يختل الميزان. فمجتمع لا يرفض، مجتمع يُفرّغ الديمقراطية من معناها، ويتركها شكلًا بلا روح.

رفض المجتمع، حين يكون واعيًا ومسؤولًا، هو الركيزة الأكثر فاعلية في التأثير على أصحاب القرار، ليس لتطبيق مظاهر الديمقراطية فحسب، بل روحها الحقيقية.

 


مشاهدات 44
الكاتب صلاح الدين الجنابي
أضيف 2026/02/10 - 5:29 PM
آخر تحديث 2026/02/11 - 3:44 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 130 الشهر 7928 الكلي 13939572
الوقت الآن
الأربعاء 2026/2/11 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير