الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
رحلة العمر بين باب الدرب وبعقوبة


رحلة العمر بين باب الدرب وبعقوبة

عبدالستار الراشدي

 

ولدتُ في باب الدرب، تلك القرية الصغيرة  التي كانت تختزن في أزقتها أصوات زقزقة العصافير ، وضحكات الأطفال، ورائحة الخبز الساخن المتصاعد من التنور الطيني. هناك، في تلك البقعة الصغيرة، بدأت أولى أنفاسي، وبدأت حكاية طويلة لم أكن أدرك أن فصولها ستتوزع بين مدن وقرى، وأنها ستصوغني كما يصوغ النهر مجراه عبر الصخور.كان والدي رجلًا كثير التنقل بحكم عمله وظروفه، فحملت العائلة على أكتافها عبء الرحيل المستمر. لم يكن البيت بيتًا إلا بقدر ما يسكنه حضورنا، ولم تكن الجدران سوى محطات مؤقتة نتركها خلفنا كلما دعت الحاجة. من باب الدرب إلى بغداد، ومن بغداد إلى جلولاء، ومن جلولاء إلى بعقوبة، كانت خطواتنا أشبه بقطار لا يتوقف طويلًا في محطة واحدة.

في بغداد، عرفت أولى ملامح المدينة الكبيرة. الشوارع المزدحمة، المدارس التي بدت لي كعالم جديد، والوجوه المتنوعة التي كانت تحمل قصصاً لا تنتهي. هناك بدأت الابتدائية، أتعلم الحروف وأخطّ أولى الجمل، وأحلم أن أكتب يوماً ما شيئًا أكبر من دفتر المدرسة. لكن سرعان ما جاء قرار الانتقال، فوجدت نفسي في جلولاء، مدينة صغيرة لكنها غنية بذاكرة الناس ودفء العلاقات.

ديان الأنهر

في جلولاء، أكملت جزءًا من دراستي، وكان للبيئة الريفية أثرها في تكوين شخصيتي. كنت أستيقظ على أصوات الطيور، وأمشي إلى المدرسة بين وديان الأنهر ، وأشعر أن الطبيعة نفسها تفتح لي كتابًا جديدًا كل يوم. هناك تعلمت معنى البساطة، ومعنى أن يكون الإنسان قريباً من الأرض، وأن يقرأ في وجوه الناس قصصاً لا تُكتب بالحبر.

لكن الرحلة لم تتوقف، فانتقلنا إلى بعقوبة، المدينة التي ستصبح لاحقاً أكثر المحطات رسوخًا في ذاكرتي. في بعقوبة، أكملت الثانوية، وهناك بدأت أعي أن التعليم ليس مجرد كتب وامتحانات، بل هو نافذة على العالم. كنت أقرأ بشغف، وأكتب محاولات صغيرة في الشعر والنثر، وأشعر أن الكلمات تمنحني حرية لا توفرها الجغرافيا.

بعقوبة كانت مدينة متناقضة: فيها صخب الأسواق وهدوء البساتين، فيها السياسة التي تتسلل إلى المجالس، وفيها الأدب الذي يزهر في المقاهي والندوات. كنت أتنقل بين هذه العوالم، أتعلم من كل تجربة، وأحاول أن أجد لنفسي مكانًا بين الكبار.

بعد الثانوية، كان الطريق إلى الجامعة هو الحلم الأكبر. اخترت قسم اللغة الإنجليزية، لا لأنني كنت أبحث عن وظيفة فحسب، بل لأنني كنت أرى في اللغة جسراً إلى ثقافات أخرى، ونافذة على الأدب العالمي. درست بجد، وكنت أوازن بين مسؤولياتي الوظيفية وبين شغفي بالقراءة والكتابة. لم يكن الأمر سهلًا، لكنني كنت أؤمن أن كل خطوة تقرّبني من تحقيق ذاتي.خلال سنوات الدراسة والعمل، كنت أعيش حياة مزدوجة: صباحًا موظف ملتزم، ومساءً قارئ وكاتب يبحث عن صوته. كنت أكتب مقالات صغيرة، وأشارك في نقاشات أدبية، وأرافق أدباء كباراً تعلمت منهم الكثير. كانوا يفتحون أمامي أبوابًا لم أكن أعرفها، ويعلّمونني أن الأدب ليس ترفًا، بل مسؤولية، وأن الكلمة يمكن أن تكون سلاحاً أو بلسماً .

مع مرور الوقت، وصلت إلى السن القانوني الذي يعني مرحلة جديدة من حياتي. لم يكن ذلك مجرد رقم في الهوية، بل كان إعلانًا عن بداية فصل آخر. كنت قد أنجزت الكثير في مساري الوظيفي، لكنني شعرت أن الأدب هو التاج الذي يزين هذه الرحلة. بدأت أكتب بجدية أكبر، أجمع قصائدي، وأدوّن خواطري، وأحاول أن أترك أثراً يتجاوز حدود اللحظة.

في كل مدينة مررت بها، تركت جزءًا مني، وأخذت جزءًا منها. باب الدرب منحني الجذور، بغداد علّمتني معنى المدينة، جلولاء غرست فيّ البساطة، وبعقوبة منحتني الوعي والعمق. أما الجامعة فقادتني إلى اللغة التي أصبحت أداة للتعبير عن كل ذلك.

اليوم، حين أنظر إلى الوراء، أرى أن الرحلة لم تكن مجرد تنقلات جغرافية، بل كانت رحلة تكوين. كل انتقال كان درساً ، وكل محطة كانت فصلًا في كتاب حياتي. والدي، بتنقلاته، كان يرسم لي طريقًا لم أختره، لكنه علّمني أن الاستقرار الحقيقي ليس في المكان، بل في الفكرة، في الكلمة، وفي الإيمان بما نصنع.

امتداد التجربة

لقد عرفت أن الأدب ليس هواية عابرة، بل هو امتداد لتجربتي كلها. حين أكتب، أستعيد طفولتي في باب الدرب، وأيامي في بغداد، وذكرياتي في جلولاء، وصراعاتي في بعقوبة. أستعيد وجوه الأصدقاء، أصوات المعلمين، وحكايات الأدباء الذين رافقتهم. كل ذلك يتحول إلى نصوص تحمل بصمتي الخاصة، وتروي قصتي كما لم يروها أحد من قبل.

إنها رحلة ألف كلمة، وربما ألف حياة. رحلة بدأت بطفل صغير في حي شعبي، وانتهت برجل يرى في الأدب خلاصًا، وفي الكلمة خلوداً. وما بين البداية والنهاية، كانت هناك محطات، وامتحانات، وانتصارات صغيرة، وخيبات كبيرة، لكنها جميعًا صنعتني كما أنا اليوم.


مشاهدات 57
الكاتب عبدالستار الراشدي
أضيف 2026/02/07 - 2:26 AM
آخر تحديث 2026/02/07 - 5:46 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 174 الشهر 4630 الكلي 13936274
الوقت الآن
السبت 2026/2/7 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير