الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حكاية السيدات الثلاث

بواسطة azzaman

فم مفتوح .. فم مغلق

حكاية السيدات الثلاث

زيد الحلي

 

أدين بالفضل لفكرة عمود هذا الاسبوع  إلى ثلاث سيدات صادفتهن في حافلة نقل ركاب كانت متجهة إلى إحدى المحافظات، فبعد دقائق من انطلاق الحافلة، بدأن بسرد حكايات بصوت مسموع، لا رابط بينها؛ ابتدأن بالحديث عن جارة لهن فأشبعنها شتيمة، ثم تطرقن إلى زوج ابنة إحداهن، فكالن له مديحا مبالغا فيه كما أحسستُ. لكن بعد ساعتين، وبعد أول استراحة، انقلب ذلك المديح إلى ذم لاذع حين غادرت الحافلة أم زوجة الشاب (الطيب والمهذب كما وصفنه) لقضاء حاجتها. تبا للسان المرء حين يلوك المديح والشتيمة والذم في آن واحد، بلا وازع ولا بصيرة.

هذا التلون والتبدل في الأوصاف ذكرني بما نشاهده ونقرأه ونسمعه في معظم وسائل الإعلام، حيث تنقلب الآراء على غرة، فنرى فلانا يتلون مع اتجاه الريح، مرة مع، وأخرى بالضد، بحسب المصلحة والهوى لا بحسب الحقيقة والمبدأ.

ومعروف أن (التلاسن) المليء بالأكاذيب يؤدي إلى تدمير النسيج الاجتماعي عبر نشر الكراهية والقطيعة وزيادة التوتر، ويمهد للعنف الجسدي والجرائم، ويسبب أضرارا نفسية عميقة مثل تدني احترام الذات، كما يزرع ثقافة العنف والتطرف ويفكك الروابط الإنسانية التي يقوم عليها المجتمع السليم.

وصدق القول إن اللسان نصف الإنسان، ومن هنا قيل: (تكلّموا تُعرفوا)، فاللسان مصدر خير ومصدر شر، لأنه إما أن يصدر عنه العلم والموعظة والإرشاد وما ينفع المجتمع، وإما أن يصدر عنه الكذب والفتنة والنميمة والفحش.

وربما يسأل البعض: من الذي له السطوة على اللسان؟ والجواب أن الذي يجلب المدح والصورة الحسنة للسان هو العقل، حين يأمره بتركيب الألفاظ الرائعة التي تدل على المعاني السامية النافعة. أما الذي يجلب الذم للسان فهو الجهل والطيش والهوى، فهذا اللسان إما أن يكون موظفا لدى العقل، أو موظفا لدى الجهل. وسعيد من استلم زمام لسانه العقل الحكيم الساكن (وراء القلب) فهذا العقل هو الذي يأمر اللسان بالنطق ويضبط انفعالاته ويهذب عباراته.

إذا، إن اللسان خلق من أجل أهداف سامية، ليدبر الإنسان به أموره ويعبر عما في ضميره، ويستعمله بالخير وللخير وبكل وجوه النفع، لا أن يستعمله في اللهو واللغو وما يجلب المضرة للآخرين. ذلك أن الوظيفة الأساسية للسان هي الكشف عما في ضمير المتكلم، فالمرء مخبوء تحت لسانه.

كلي أمل أن يسعى المرء إلى اختيار كلماته كما يختار ملابسه، بعناية وذوق ومسؤولية، لأن الكلمة قد تكون ثوبا من نور، وقد تكون خنجرا في خاصرة الحقيقة والإنسان.

 

Z_alhilly@yahoo.com

 


مشاهدات 67
الكاتب زيد الحلي
أضيف 2026/01/31 - 2:49 PM
آخر تحديث 2026/02/01 - 7:45 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 233 الشهر 233 الكلي 13931877
الوقت الآن
الأحد 2026/2/1 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير