مفهوم السلطة عند الإمام علي (ع)
محسن القزويني
السلطة عند الامام علي عليه السلام ليست مغنما بل انها مسؤولية ثقيلة فرَّ منها الامام ورفض استقبال من اراد مبايعته للخلافة بعد مقتل الخليفة عثمان ،تقول الرواية التاريخية: اتوا عليا فيختبئ منهم ويلوذ بحيطان المدينة (اي يفر منهم الى بساتين المدينة حتى لا يجدوه) وكان يقول للجمهور الذين اختاروه لحكم البلاد( دعوني والتمسوا غيري ) لكن بعد ان عمًَت الفوضى في البلاد وكادت الامور تنزلق الى ما لا يُحمد عقباه وانتشرت الفتنة والفُرقة وجد الامام علي عليه السلام من الواجب عليه ان يتصدى لامور المسلمين ويتجاوب مع الذين اختاروه خليفةً لهم، بعد ان لم يجدوا من هو افضل منه ، فاضطر الامام للموافقة و النزول الى ما يريدون لكن اشترط عليهم ان تكون البيعة في يوم الجمعة وفي المسجد النبوي .
اريدكم لله
(اني اريدكم لله وانتم تريدونني لانفسكم) هذه الجملة التي قالها امير المؤمنين عليه السلام في الايام الاولى من حكمه ُتلخص لنا نظرية الامام عليه السلام في السلطة واهدافها و وظائفها، فالامام بتحمله لهذه المسؤولية فهو يتقرب الى الله، ويعدُّ عمله هذا وظيفة شرعية ينال بها رضا الله سبحانه وتعالى ،وهو في الوقت نفسه يرغب ومن خلال ادارته لشؤون الامة ان يُقربهم الى الله سبحانه وتعالى ويُزيل ما يُحيل بينهم وبين الله سبحانه وتعالى من ذنوب ومعاصي حتى يصبحوا عبادا لله مخلصين له في معاملاتهم واخلاقهم، اما الذين بايعوه فبعضهم اراد عليا لنفسه، للانتفاع به لمصالحه الخاصة وهذا ما ظهر فيما بعد، بعضهم جاء يريد المال والبعض الاخر جاء يطلب منه منصبا وكأنَّ السلطة غنيمة على الحاكم ان يعطي لكل واحدٍ جزءا منها.
البطانة الفاسدة
تشكِّل البطانة الفاسدة التي تحيط بالحاكم اكبر خطرٍ على الامة وعلى الحاكم نفسه لانهم يقربون موعد سقوطه بسبب تزلفهم والاحاطة به ومنع اصحاب الراي السديد للوصول اليه فتدور السلطة مدار مصالحهم الخاصة وقد وصف الامام علي عليه السلام هذه البطانة باروع وصف:( هم اثقل على الوالي مؤونة في الرخاء واقل معونة في البلاء واكره للانصاف واسال بالالحاف واقل شكرا عند الاعطاء وابطأ عذرا عند المنع واضعف صبرا عند ملمات الدهر) فالهم الاول للبطانة هو تحقيق مصالحهم الشخصية والحصول على الامتيازات الدنيوية ولو على حساب الطبقة المسحوقة من الشعب ،فهم يُشكلون عبئا ثقيلا على الوالي يسبحون بحمده عند الرخاء و اول من يفر منه عند ملمات الدهر كما يقول امير المؤمنين عليه السلام، ولذا وجدناه يحاسبهم حسابا عسيرا على تصرفاتهم حتى في ابسط الامور فقد بعث الامام برسالة شديدة اللهجة الى عامله في البصره عثمان بن حنيف يوبخه على حضوره مأدبة للاغنياء ليس فيها فقير واحد قائلا: (اما بعد يا بن حنيف لقد بلغني ان رجلا من فتية اهل البصرة دعاك الى مأدبة فاسرعت اليها تستطاب لك الالوان وتنقل اليك الجفان وما ظننتُ انك تجيب الى طعام قومٍ عائلهم مجفوٌ وغنيهم مدعوٌ) هكذا كان امير المؤمنين سلام الله عليه في تعامله مع اركان دولته، مراقبة شديدة ومحاسبة عسيرة.
الحاكم كالوالد الرحيم
يقول الامام الباقر عليه السلام (وهو ابن الحفيد للامام علي عليه السلام) في وصف الحاكم (لا تصلح الامامة (الرئاسة ) الا لرجل فيه ثلاث خصال ورعٌ يحجزه عن معاصي الله، وحلمٌ يملك به غضبه، وحسن الولاية على من يلي حتى يكون لهم كالوالد الرحيم) . وهذا النص يُعبر بحق عن موقع الحاكم في الدولة الاسلامية فهو كالاب للمجتمع الذي يحكمه، ينظر الى شعبه كانهم اخوة لاب واحد ويتعامل معهم كما يتعامل الاب مع اولاده ينظر اليهم نظرة متساوية لا يفرق بينهم في العطاء والتكريم والعقوبة فيتجاوز عمن ارتكب خطيئة كما يتجاوز الاب عن ابنه.
اذا اخطأ .
الحاكم المعلم الاول
ولكي يتمكن الحاكم من إداء وظيفته عليه ان يصبح المثل الاعلى لشعبه في طعامه وشرابه ،في ملبسه ومسكنه، في اخلاقه ومناقبه، يقول امير المؤمنين عليه السلام : (انَّ الله فرض على ائمة العدل ان يقدِّروا انفسهم بضَعَفَة الناس لكي لا يتبيَّغ بالفقير فقره) فاكثر ما يُغيظ الشعوب استئثار الحكام بالاموال والعيش في القصور الفارهة والتنقل بالمركبات الباهظة الثمن ،والعيش في حياة رغيدة دون التفكير بما يحيط بالشعب من فقر وفاقة، ولكي يكون كلامه مؤثرا لابد ان يبدأ الحاكم عملية الاصلاح بنفسه قبل غيره فهو المعلم الاول الذي يُعلم شعبه كيف يعيش ولماذا يعيش وذلك بسلوكه قبل كلامه عليه ،
يقول امير المؤمنين عليه السلام (من نصب نفسه للناس اماما فليبدا بتعليم نفسه قبل تعليم غيره وليكن تاديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه ومعلم نفسه ومؤدبها احق بالاجلال من معلم الناس ومؤدبهم ).
علاقة الحاكم بالشعب
تتحَّكم بعلاقة الحاكم بشعبه معادلتان ،الاولى: صلاح الشعب بصلاح الحاكم كما جرى المثل القائل( الناس على دين ملوكهم) ، والمعادلة الثانية: صلاح الحاكم باستقامة الشعب وبالتزامه بالقوانين والمعايير وقيامه بالواجبات المنوطة به يقول الامام علي عليه السلام:
(فليست تصلح الرعية الا بصلاح الولاة ولا تصلح الولاة الا باستقامة الرعية فاذا ادت الرعية الى الوالي حقه وأدى الوالي اليها حقها عز الحق بينهم وقامت مناهج الدين واعتدلت معالم العدل وجرت على اذلالها السنن فصلُح بذلك الزمان وطمع في بقاء الدولة ويئست مطامع الاعداء)
وهذا منتهى ما يريده الشـعب والحكام :
1- ترسيخ العدالة في البلاد.
2- انتشار الاصلاح في البلاد.
3- توطيد سيادة القانون.
4- استمرارية الدولة وبقاؤها.
5- يئس الاعداء وعجزهم عن المواجهة.
وبهذه الكلمات وضع الامام علي عليه السلام امام الشعوب و الحكام طريقا لبناء الدولة الرشيدة القادرة على تحقيق اماني الشعوب المستضعفة وهي ليست كلمات وحسب بل منهج للحياة سلكه الامام بنفسه في حكومته العادلة الرشيدة التي كانت ولا زادت مفخرة للبشرية.