الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
السياسة والمالية .. أيهما يفسد الآخر؟

بواسطة azzaman

السياسة والمالية .. أيهما يفسد الآخر؟

لنجه صالح حمه طاهر

 

في إطار العلاقة بين السياسة والمالية تبرز إشكالية قديمة ومتجددة تتلخص في سؤال جوهري مفاده، هل تتحكم المالية بالسياسة، أم أنَّ المالية تخضع لإملاءات السياسة؟؟

ولا أعني بالسياسة هنا النظام السياسي والدستوري للدولة، بل النشاط المتعلق بممارسة السيادة، والذي تمارسه الدولة لإدارة شؤونها العامة.

فالمعروف أن السياسة محكومة بمنطق النفوذ، إذ يؤثر الأخير على السياسة كقوة محركة تتجاوز أحيانًا الأطر القانونية والدستورية ليتحول من مجرد وسيلة لممارسة السلطة الى أداة لتشكيل قرارات وأنظمة غير مشروعة قاصدين بها تحقيق مكاسب آنية تعكس بأثارها السلبية على مالية الدولة وعلى استدامتها الاقتصادية ونظامها المالي العام؛ مما يضعف الانضباط المالي ويفتح الباب امام العجز والديون والاختلالات الهيكلية لتكون بذلك السياسة قد أفسدت المالية.

قيود صارمة

في حين نجد بالمقابل أن المالية محكومة بمنطق الحساب والعقلانية والقيود الصارمة، فهي لا تعترف بالشعارات بل بالأرقام، ولا تستجيب للعاطفة بل للقدرة الفعلية على التمويل والاستدامة وتحقيق النفع العام، وحين تفرض المالية منطقها الموضوعي على السياسة، فإنّها تهذبها وتحد من اندفاعها وتدفعها الى اتخاذ قرارات أكثر عقلانية وتوازنًا ومسؤولية، لتحقق بذلك التنمية المستدامة والتخطيط الطويل الأمد، لا المكاسب المؤقتة والحلول الترقيعية.

«وبعبارة أخرى السياسة تفسد الحساب أحيانًا والمال يهذب القرار دائمًا»

بيّد أن ذلك لا يعني أنّ العلاقة بين الجانبين جدلية سرمدية وقائمة على صراعٍ مطلق، بل ثمة تفاعل دقيق ومعادلة قوية تجمع الطرفين وكما تسمى في الفلسفة الاقتصادية بالعلاقة العضوية التبادلية، فقد تتحول المالية من دون سياسة رشيدة الى أدارة جافة تتجاهل البعد الاجتماعي المتمثل بتخفيف حدة الفجوة والهوة ما بين طبقات المجتمع ومراعاة الظروف الاقتصادية للبلد والأفراد حسب المتغيرات الاقتصادية ... الخ، وكذا الحال مع السياسة؛ فقد تنزلق سريعًا الى الفوضى والكوارث الاقتصادية والمالية من غير وجود مالية سديدة، أي إنَّ المعادلة والعلاقة بينهما تنضبط بقوانين الشفافية وفصل المال العام عن السلطة.

مجلس اقتصادي

وإذا ما ألقينا نظرة فاحصة على القرارات الأخيرة التي اتخذها مجلس الوزراء العراقي تطبيقًا لتوصيات المجلس الاقتصادي الخاصة بتعظيم إيرادات الدولة وتقليص الانفاق سواء تلكم المتعلقة بالرسوم الكمركية أو بضريبة المبيعات أو بمخصصات الخدمة الجامعية أو بعدم احتساب الشهادات وغيرها...، نجد أن مثل هذه القرارات جاءت معللة بوجود أزمة مالية حادة في الدولة تستوجب تدخلاً آنيًا للحد منه، بيّد أنها ستترك آثارًا سلبية على المواطنين أكثر من تحقيق إيرادات حقيقية وفعالة للدولة، فبدلاً من أن تبحث عن السبب الحقيقي لهذه الأزمة -والذي لم يعد خافيًا على أحد والمتمثل بعمليات النهب والسلب للخيرات العظيمة لهذا البلد وتقاسمها فيما بين الشركاءالفاسدين -، وتحاسب المتواطئين في احداثها، نجدها تضع حلولاً ترقيعية تثقل كاهل المواطن وتزيد من أعبائه وتقوض ثقته بالدولة وانتمائه، وهنا تبرز المقولة التي ذكرناها وتجد مجالها للتطبيق، ألا وهي أنَّ السياسة تفسد المال، لأن المال قد دُمج أو وقع بيد السلطة والتي هي من مفسدات العلاقة بين المالية والسياسة، محققةً بذلك ما يسمى بالأوليغارشية والتي تعني تحويل النظام السياسي من خدمة المواطنين الى خدمة القابضين بزمام الأمور، فبدلاً من تقليص مخصصات الرئاسات الثلاث وتأمين إيرادات المنافذ ورسوم الطائرات التي تحلق فوق سماء الوطن، تهاجم هذه القرارات دخل الموظف وتبتغي تقليصه محاربةً بذلك لقمة عيشه ومصدره الوحيد في ظل ارتفاع أسعار المنتجات (المزمع) والتي سيضطر الموظف الى شرائها من ذات الدخل المراد تقليصه لتأمين احتياجاته وأسرته اليومية خاصة وأنها من السلع الضرورية ذات الاستخدام اليومي والتي لا يمكن الاستغناء عنها، علاوةً على ذلك، فإنَّ الأدهى والأمر في مثل هذه القرارات هي مخالفتها لمبادئ دستورية وقانونية مهمة، كمبدأ قانونية الضرائب والرسوم، ومبدأ الأمن القانوني ومبدأ الفصل بين السلطات فضلاً عن خروجها عن نطاق اختصاصات حكومة تصريف الأعمال.

وعليه، ولكي تغدو السياسة أداةً لترشيد المالية ندعو الدولة العراقية الى اتخاذ قرارات رشيدة وحكيمة تصب في الصالح العام وتأخذ بيد المواطن الذي ارهقته ظروف البلاد الأمنية والسياسية والمالية الصعبة طوال العقود الماضية، ولا بد من ضبط العلاقة بين السياسة والمالية بين القوة والموارد بين الطموح والإرادة وبين الواقع والمثالية، عبر التركيز على الحلول الجذرية للخروج من هذه الأزمة، خاصة وأن الله سبحانه وتعالى قد أنعم علينا بالخيرات الوفيرة التي لا تعد ولا تحصى فلا بد من استغلالها الاستغلال الأمثل ومحاربة الفساد بيد مخلصة ونزيهة وحريصة، ولنعلم أن الدول التي نجحت في تحقيق الاستقرار والتنمية المالية، هي التي أدركت أن العقل المالي هو الذي يجب أن يقود السياسة لا العكس، ذاك العقل الذي يضع مصلحة الدولة والمواطن بالدرجة الأولى نصب عينيه، وأن المالية لا تقف حجر عثرة امام القرار السياسي بل هي بوصلة تصحح مساره.

 


مشاهدات 38
الكاتب لنجه صالح حمه طاهر
أضيف 2026/01/27 - 3:28 PM
آخر تحديث 2026/01/28 - 2:49 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 80 الشهر 21137 الكلي 13528560
الوقت الآن
الأربعاء 2026/1/28 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير