أنا والليل..: نسخة أخيرة
رافد حميد فرج القاضي
لم يكن الليلُ
ذكرى فقط
كان بابًا نفتحه معًا
فتدخل الأرواح
عاريةً من الوقت...
كنت أمشي
بدون أرض تحت قدميّ
والغصن في يدي
ينحني خجلًا
بغير ارتباك
والعطر يسبق الكلام
ويكتب ما لا يُقال...
الناس يمرّون كالماء
نحن وحدنا كنّا نفيض
تتلاصق الأنفاس
لا تختصر المسافة
بل لتوسّعها
والنجوم معلّقة
فوق رؤوسنا كأسرار
تخاف السقوط...
ذلك الليل
لم يبدأ ولم ينتهِ
آخره كان أوّله
وكان القلب
يدور في مداره
ككوكب يعرف
مصيره ويحبّه...
أحفظ التفاصيل
واحدةً واحدة
ارتعاشة الصوت
ظلّ اليد والصمت
حين يصبح كلامًا
أقبّل الذكرى
لا لأنها ماضٍ
بل لأنها ما بقي
لي من الحقيقة...
غرتُ من الأمس
حين سلّم عليّ ومضى
ثم صالحته حين أدركت
أن الذكرى طريقة
أخرى للبقاء...
واليوم عاد الطعم
إلى الحروف
كأن الأمس
وقف بين
حاضري وغدي
دون أن يختار...
مبارك هذا الوجع
الذي يخفق في الصدر
أخشى عليه من اكتماله
فالكمال أحيانًا
شكل آخر للفقد...
شعري لا يعلن الحب
هو فقط يبوح به
كما يبوح الجرح
حين يُلمس
ليل مشدود كقوس
وصاله طويل
كالدعاء والفجر
يتلصص من قمم الضوء
خشية الندم...
كنّا طفلين في المعنى
لم نفطم القلب
عن دهشته
وكان الصباح
عدوًا مؤجلًا
مرّت صورتك
في قلبي وقلبك
بارد من فرط الصفاء
وعبيرك يشيخ ولا يهرم...
ودّعتُ يومًا
كان يحلم أكثر مما يحتمل
وتركت للكلمات أن تبقى
شاهدة عليّ
وتمرّ الأيام
كمواكب صامتة
وأقف كأنني آخر الذكرى
أرى الشباب وميضًا بعيدًا
وأرى غدي يمتلئ
بمطر لا ينقطع...