الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
إشكالية الدولة وسردية العقيدة في زمن الأزمات

بواسطة azzaman

إشكالية الدولة وسردية العقيدة في زمن الأزمات

حسن الحيدري

 

منذ عام 2003 يعيش العراق في مساحة جيوسياسية شديدة الحساسية فهو يقع في نقطة التقاء بين نفوذ الولايات المتحدة من جهة والنفوذ الإيراني من جهة اخرى هذا الموقع جعل العراق في كثير من التحيان ساحة تفاعل غير مباشر بين القوتين، سواء سياسيا او امنيا ومع تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران في اكثر من محطة خلال السنوات الماضية يتجدد السؤال حول موقف العراق حينما تحولت هذه التوترات الى مواجهة اوسع خاصة بعد مشاركة فصائل عراقية مسلحة في تلك المواجهة.

التجربة العراقية بعد سقوط النظام السابق اظهرت ان البلاد ليست مجرد دولة تقليدية ذات قرار مركزي واحد بل هي ايضا مجتمع متنوع يحمل روايات تاريخية ودينية وسياسية مختلفة فخلال سنوات الاحتلال الامريكي الاولى شهدت مدن مثل الفلوجة والنجف مواجهات مسلحة حملت تسميات متباينة في الاعلام فبينما وصفتها بعض القنوات بـ»المقاومة» اعتبرتها جهات اخرى «أعمالاً إرهابية» هذا الاختلاف في التوصيف يعكس طبيعة الانقسام في قراءة الحدث السياسي نفسه داخل المجتمع الشيعي العراقي تحديدا حيث تلعب الذاكرة التاريخية دورا مهما في تشكيل الخطاب السياسي والاجتماعي فواقعة كربلاء وما تحمله من رمزية التضحية والفداء اصبحت عبر القرون جزءا من الثقافة الدينية والاجتماعية وغالبا ما تستحضر هذه الرمزية في الخطابات التعبوية التي تربط بين مواجهة الظلم في الماضي والتحديات السياسية في الحاضر.

صراعات اقليمية

لكن ادخال هذا الارث الرمزي في سياق الصراعات الإقليمية يضع الدولة العراقية امام معادلة شديدة التعقيد خصوصا بعد مشاركة الفصائل العراقية المسلحة في المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران  تحت عناوين مرتبطة بالخطاب العقائدي او التاريخي فان ذلك قد يخلق اشكاليات كبيرة على مستوى السيادة والقرار الوطني فالحكومة العراقية بوصفها ممثلا رسميا للدولة تحاول موكدا  الحفاظ على توازن دقيق بين علاقاتها مع واشنطن وعلاقاتها مع طهران نظرا لاعتمادها على شراكات سياسية وامنية واقتصادية مع الطرفين

محاولة تبني موقف الحياد وبشدة مع السعي الى منع الاراضي العراقية من أن تتحول الى ساحة مواجهة مباشرة هذا الخيار ينسجم مع مصلحة الدولة في تجنب الانجرار الى صراع اقليمي واسع لكنه يظل صعب التنفيذ في ظل وجود جهات متعددة  ذات توجهات ايديولوجية وعقائدية .

حيث  قد يحدث نوع من التصعيد غير المباشر داخل الاراضي العراقية بعد استهداف القواعد او المصالح الامريكية وفي هذه الحالة قد تجد الحكومة نفسها في موقف محرج بين التزاماتها الدولية وبين الضغوط الداخلية من جمهور او قوى سياسية تتبنى خطابا عقائديا تعبويا مع اساسيات مذهبية معقدة ابرزها اتباع ولي الامر من ذات العقيدة ومن دولة مجاورة  وبدوره من المحتمل  ان يودي  لتصعيد كبير وانقسام داخل البيت الشيعي نفسه فهناك تيارات دينية وسياسية في العراق لا تتبنى فكرة توظيف العقيدة في الصراعات الاقليمية وتفضل الحفاظ على استقلال القرار العراقي في المقابل توجد تيارات ترى ان الانتماء العقائدي او السياسي عابرا للحدود ما يفرض نوعا من الاصطفاف في صراعات المنطقة .

مدرسة تقليدية

هذا التباين يعكس اختلافا اعمق في فهم العلاقة بين الدين والسياسة فمدرسة النجف التقليدية تميل تاريخيا الى اعطاء الاولوية لدور المرجعية الروحي والارشادي بينما تميل بعض التيارات الاخرى الى روية اكثر تداخلا بين العقيدة والعمل السياسي.

في النهاية يظل التحدي الاكبر امام العراق هو كيفية التوفيق بين هويته الدينية المتجذرة وبين ضرورات الدولة الحديثة فالدولة تحتاج الى قرار سيادي موحد يحافظ على الاستقرار الداخلي بينما يحمل المجتمع في داخله سرديات تاريخية وعقائدية قوية يمكن ان تدفع باتجاه مواقف اكثر حدة في اوقات الازمات

وبين هذين المسارين يقف العراق اليوم امام تحدي  كبير هل يستطيع تحويل تنوعه الديني والسياسي الى عنصر توازن واستقرار ام ان الصراعات الاقليمية ستدفعه  الى ساحة  الحرب والدخول بدوامة المعركة

 

 


مشاهدات 42
الكاتب حسن الحيدري
أضيف 2026/03/10 - 2:53 PM
آخر تحديث 2026/03/11 - 12:59 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 63 الشهر 9074 الكلي 15001143
الوقت الآن
الأربعاء 2026/3/11 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير