حكايات تشرين تتحدّى الظالمين.. أول وثبة فلاحية تشهدها العمارة
خالد محسن الروضان
تُعيدنا فصول حكايات تشرين إلى البدايات الأولى لأهلنا وقرانا، تلك التي غمرها الهمّ والتعسّف والاستغلال في أرجاء العراق. حكايات لا تُروى بوصفها ماضيًا منسيًا، بل بوصفها ذاكرة حيّة، تتكرّر كلما اشتدّ الظلم وتجدّد القهر.
لا تفرح بدمه يلكطاعي
صويحب من يموت المنجل يداعي
هذه الأبيات من قصيدة «جرح صويحب» للشاعر الكبير مظفّر النوّاب، التي رثى فيها الشهيد المغدور صويحب ابن ملا خصّاف، من مدينة العمارة – ناحية الكحلاء – ذلك الفلاح الذي تحوّل إلى رمزٍ للنضال.
حكاية صويحب: الفلاح الذي سبق زمانه
كان صويحب من أوائل من نظّموا الجمعيات الفلاحية للدفاع عن حقوق المزارعين ضد الإقطاع. وبعد ثورة 14 تموز 1958، اغتيل برصاص بقايا الإقطاع، أثناء جمعه توقيعات الفلاحين تأييدًا للثورة. لم يكن اغتياله حادثة معزولة، بل امتدادًا لصراع طويل سحق فيه الإقطاع الفلاحين لعقود.
تشرين 1952: أول وثبة فلاحية
في تشرين 1952، شهد لواء العمارة أول وثبة فلاحية كبرى، حين ثارت عشيرة آل أزيرج ضد قانون توزيع الأراضي الجائر، الذي قضى بمنح الإقطاعيين الأزمة، وتهديم بيوت الفلاحين، ونهب أموالهم، والإساءة إلى كرامتهم.كانت تلك الانتفاضة أول فعل تحرري جماعي للفلاح العراقي، وقد ساهم في نضوجها وجود عدد من المبعدين سياسيًا داخل اللواء، ممن قاموا بتحليل الواقع الاجتماعي والاقتصادي الفاسد، القائم على الاستغلال والتسلّط والظلم الطبقي.
ومن هذا الواقع الفاسد (الأطروحة)، نشأت حركة وطنية نقيضة (النقيض)، تمثّلت بالوعي الوطني والقومي والإنساني، ساعيةً إلى بناء مجتمع جديد تسوده الحرية والعدالة والحب. وكان لهذا الرعيل السياسي الأول أثرٌ بالغ في تطور الحركة الوطنية، وصولًا إلى قيام جبهة الاتحاد الوطني، ثم ثورة 14 تموز 1958.
الحكاية الثانية: انتفاضة تشرين 2019
بعد أكثر من ستة عقود، عاد تشرين، لا كذكرى، بل كمرجل يغلي. ففي تشرين 2019، انفجر الغضب الشعبي في بغداد ومعظم محافظات الجنوب، نتيجة تراكم الفشل، وتردّي الخدمات، واستشراء الفساد المالي والإداري، ونهب ثروات البلاد، وتعطيل مؤسسات الدولة بفعل حكومات المحاصصة الحزبية والطائفية.
تصاعدت الاحتجاجات رغم استخدام السلطة كل أدوات العنف والبطش، حين شعرت الأحزاب أن سلطانها مهدّد بالزوال. سقط المئات بين شهيد وجريح، وأسقطت الحكومة، وأُجبر النظام على إجراء انتخابات مبكرة، وإجراء بعض الإصلاحات في منظومة الحكم.
تشرين مضت… ولم تمضِ
انتفاضة تشرين مضت زمنيًا، لكنها لم تمضِ تاريخيًا ولا وجدانيًا. إنها عاصفة قد تهدأ، لكنها لا تنطفئ. ما زال الشعب يتغذّى من جذوتها، وتشتعل من حين إلى آخر، كلما عاد الفساد، أو تكرّس الظلم.
حين يُذكر تشرين، أشعر أن رائحته تعطر أنفاسي؛ كأنني أستنشق دخان القنابل والبارود في معركة تحرير الفاو، وأسمع تكبيرات الجنود، وصرخات الثوار في وجه قتلة المتظاهرين، وأستعيد جدل الشباب في ساحات التحرير، وحواراتهم، وحركاتهم المتفاعلة.
من عاش انتفاضة تشرين، لا يمكنه أن يختزلها في مطلب واحد. لقد كانت مترابطة الأهداف: رفض حكومات الفساد والمحاصصة، ورفع شعار «نريد وطن»، والمطالبة بالسيادة ووحدة العراق، وتحقيق الإصلاح الحقيقي. لم تكن شعارات عابرة، بل برنامجًا وطنيًا شاملًا.
شهداء تشرين… المعنى الأسمى
شهداء انتفاضة تشرين هم مثال الفداء ونموذج التضحية. أعمالهم ليست عادية، بل رمز إنساني يجسّد خصال الإنسان الفاضل. ولولا دماؤهم، لما كان لما يُسمّى اليوم بالديمقراطية في العراق أي معنى.
وأختم هذا السفر الخالد لشهداء الحرية، بما تغنّى به ثوار تشرين في ساحة التحرير عام 2019، من قصيدة «جرح صويحب»، ألحان سامي كمال – العمارة:
ميلن لا تنقطن كحل فوك الدم
ميلن وردة الخزامه تنكط سم
جرح صويحب بعطابه ما يلتم
لا تفرح بدمه يكطاعي
صويحب من يموت المنجل يداعي
آحا شوسع جرحك ما يسدّه الثار
يصويحب حك الدم ودمك حار
من بعدك مناجل غيض يحصدن نار
شيل بيارغ الدم فوك يناعي
إذا رغبت، أستطيع: