جبار وفوزية.. حكاية حب ملأت العمارة حزناً مطلع ستينيات القرن الماضي
فاروق عبد الجبار البصري
هام المعلم جبار بحبيبته المعلمة فوزية، وإنتشرت حكاية عشقهما بين رفاقه اليساريين والكثير من أهالي محلتهما.
لم تكن لقصة حبهما أن تستطيل وتنتشر لولا أن الأب الهاشمي رفض تزويج إبنته للمعلم جبار، لا لسبب في خلقه وأخلاقه أو حسبه ونسبه سوى ان جبار كان شيوعيا، والشيوعي كافر بنظر الأب المعمم المعروف بإلتزامه الديني.
شرود الذهن
مرت الشهور والأعوام وفصول حكاية الحب هذه تزداد حضورا بين من يعرفهما، فيما ظلت فوزية على إصرارها ممتنعة عن الزواج خلاف حبيبها جبار.
لم تفلح كل الوساطات بإقناع الأب المتشدّد، ولم يفلح الرفاق والأصدقاء بإخراج جبار من محنته والعدول عن مبتغاه.
أكلت الصبابة من حيوية جبار الكثير، حتى فقدَ الإحساس بالزمن وأضحى شارد الذهن في غالب الأوقات، فقررت إدارة مدرسته إعفائه من التدريس وتكليفه بأمور إدارية شكلية إشفاقا لحاله، كما قرر الرفاق إعفائه من أي تكليف أو إلتزام حزبي.
أمست خمارة المدينة مرتعه وملجأه وعزاؤه، يُلقي على جلاسه الأشعار الصبيبة التي تؤسي قلوب ندمائه، حتى حفظها هؤلاء وصاروا يرددونها في مجالسهم.
ساءت صحة جبار أكثر، وبان على جسده الهزال، وصار يتأخر عن دوامه المدرسي ساعات الصباح الأولى .... عندما كان يذهب ويقف على مبعدة من مدرسة فوزية ينتظر لحظة وصولها، يتطلع إليها وتتطلع إليه من بعيد ... وحدها الدموع هي ما تبقت لديهما ليتبادلاها، وهي التعبير الأخير عما يجيش في فؤاديهما من وَلهٍ وهيامٍ ووَجدْ.
في العام الأخير من قصة جبار وفوزية، حلَّ شهر محرم وحلّ عزاء عاشوراء، وبدأت المدينة تتشح بالسواد، والمواكب تعد عدتها وترتيباتها، ولم يكن لأحد أن يعرف ما كان يدور في خلد جبار وما يخطط له.
ففي عصر اليوم التاسع من عاشوراء، إستأجر المعلم جبار سيفا (قامة) وإشترى كفنا أبيضا، وحمل جسده الهزيل الى أحد مقار المواكب الحسينية المتخصّصة بـ (التطبير) ... دهش الحاضرون لمرأى هذا الشيوعي السكير بينهم .... لكن حيرتهم لم تطل .... قال لهم جبار: لقد نذرتُ أن (أطبّر) رأسي توبة لله وطلبا للشفاعة !!، فرحبوا به وأثنوا عليه.
كان من عادة العوائل أن تتوزع على جانبي الطريق العام المخصص لسير المواكب بعد صلاة المغرب، وكان لكل عائلة مكانها الذي تحتجزه منذ الليلة الأولى.
إنطلق موكب التطبير ومعه قرع الطبول وبدأت السيوف تُدغدغ الرؤوس، وكلما مضى الموكب في مسيرته تزداد وتيرة الضرب.
فيما كان جبار يمرر السيف فوق رأسه بخفة وهو يدور بجسده ويتطلع بعينيه ذات اليمين وذات الشمال بحثا عن مستقر عائلة فوزية ... حتى لاح له مقصده، ووقعت عيناه عليها وهي ملتحفة بعبائتها بين أهليها !.
ووسط هياج المكان وأصوات نحيب الرجال وعويل النساء وقرع الطبول والصنوج، ومشهد الرجال يضربون الرؤوس بالسيوف وهم يصدحون (حُسَين ... حُسَين ... حُسَين) ، وإذا بجبار يفاجأ الجميع ويستدير متوجها ناحية أهل فوزية ليجثو أمامهم على ركبتيه، وراح يضرب رأسه بعنف وهو يصرخ على وقع الطبول (فوزية ... فوزية ... فوزية)!!!.
راحت الدماء تتنافر من رأسه، ولم يستطع أحد من إيقافه إلا بعد أن هوى على الأرض مغشيا عليه هامدا بلا حراك .... وإزداد المشهد هولا وغرابة عندما وَثَبَت فوزية من بين النسوة مذعورة صارخة وهي تشمرُّ عباءتها وتجثو كالممسوسة فوق جسد جبار الممدد والمغطى بالدماء، تلطم على وجهها وتشد شعر رأسها وهي تصرخ (جبار ... جبار ... جبار) ..... على وقع الطبول والصنوج (جبار ... جبار ... جبار)!!.
وبالكاد تمكنت النسوة من سحب فوزية الملطخة الآن بدماء جبار، فيما تسارع الرجال الى حمله.
لم يكن في المكان ساعتها أي واسطة نقلٍ يستعينوا بها، فاضطروا لأن يحملوه مهرولين بإتجاه المشفى العام البعيد نسبيا.
ولحظة وصلوا ..... كان جبار قد لفظ آخر أنفاسه ومات من شدة النزف ...
مات جبار !.
حكاية فوزية
مرت أيام والناس يتناقلون حكاية المشهد الغريب.ومرت أيام أخرى وبدأ الناس يتناقلون هذه المرة حكاية فوزية التي قيل أنها إختبلتْ، ولازمت سريرها ممتنعة عن الطعام والشراب والكلام.
وبدأ جسدها يذوي شيئا فشيئا، حتى فقدت عقلها تماما.
لم يمض طويل وقت، حتى شاع خبر موتها!....
ماتت فوزية!.
ويوم شيّع جثمانها الى مثواه الأخير، كان الجميع يبكي خلفه رجالا ونساءً، شيبا وشبانا.
مات جبار .... ماتت فوزية.
لكن أهالي المدينة ظلوا لسنوات غير قليلة يتناقلون حكايتهم، بل ويجترون الحزن والأسى عليهما مع كل مناسبة عاشور تحل بينهم، مع كل موكب (تطبير) يمر بهم.