الراشد لـ (الزمان): الكتابة مسؤولية ثقافية وأداة تربوية في زمن التقنيات
بين الخيال واللّغة.. رؤية إبداعية تؤسّس للوعي
بغداد - ابتهال العربي
في عالمٍ تتزاحم فيه الكلمات وتتشابه الصور، يسير الكاتب والفنان إسماعيل الراشد، على الحدّ الفاصل بين الأدب والفن، وبساطة الكلمات وعمق الفكرة. إذ لا يكتب الراشد النص بوصفه حكاية فقط، بل يصوغه بتأمل لبناء الوعي. وفي هذا الحوار، نقترب من تجربته الإبداعية، ونطلع على رؤيته للكتابة الموجّهة للجمهور، وأهمية الصورة واللغة في صناعة الوعي الجمالي. وتكشف (الزمان) في هذا الحوار عن (جانب من عقل مبدع يرى في الحرف مسؤولية، وفي الفن رسالة، في زمن تتسارع فيه التحولات التقنية وتتزاحم فيه الوسائط البصرية)، ويطرح الكاتب (عدداً من القضايا الفكرية والإنسانية والفنية في صلب مشروعه الإبداعي)، مؤكداً ان (النص الموجّه للجمهور ليس ترفاً أدبياً، بل أداة تربوية وثقافية تصنع الذائقة وتؤسس للوعي الإنساني)، ويرى الراشد أن (الكتابة تتطلب وعياً مضاعفاً بطبيعة المتلقي، وقدرة على تبسيط الفكرة دون تفريغها من عمقها)، مشيراً إلى أن (اللغة الموجه ة للقارئ ينبغي أن تكون واضحة، خالية من التعقيد والافتعال، لكنها في الوقت نفسه غنية بالقيم الجمالية والإنسانية)، مبيناً ان (النص الناجح هو الذي يمنح المتلقي مساحة للتفكير، ويعزز لديه روح المبادرة والخيال الحر)، كما يتوقف الراشد عند (أهمية التكامل بين النص والصورة في المقالة او العمود الصحفي).
تثبيت المعنى
معتبراً أن (الشكل البصري ليس عنصراً زخرفياً، بل رسالة موازية للنص، تؤدي دوراً أساسياً في تثبيت المعنى وتحفيز التفاعل النفسي والمعرفي لدى المتلقي)، ويذهب الكاتب إلى أن (أزمة التلقي الثقافي اليوم لا تتعلق فقط بضعف المحتوى، بل أيضاً بطريقة عرضه وتسويقه)، لافتاً إلى أن (المنتج الثقافي يحتاج إلى خطاب بصري ولغوي معاصر قادر على منافسة سيطرة الوسائط الرقمية)، واكد بالقول ان (الكتابة مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون مهارة فنية، وأن الاستثمار الحقيقي يكمن في بناء الإنسان منذ الطفولة، وتغذي وجدانه، وتؤسس لمجتمع أكثر وعياً وجمالاً)، مشيراً إلى أن (حلمه بدراسة الفنون الجميلة، الذي راوده منذ الطفولة امتداداً لموهبته الفنية، اصطدم بحادثة مفصلية غيّرت مسار حياته، إذ كان من بين الحاضرين في معرض للرسم أقامه الحرس القومي في العراق، وافتتحه حينها حردان التكريتي، وخلال افتتاح المعرض، أقدمت حماياته على تفريق الأساتذة والأكاديميين بطريقة مهينة، في مشهد وصفه بالمأساوي، عكس هيمنة العسكريين وتهميش الشريحة الإبداعية والمرهفة في المجتمع)، وبين الكاتب ان (هذه الواقعة تركت أثراً عميقاً في نفسه، ودفعته إلى تغيير وجهته الدراسية، إذ سافر إلى مصر لدراسة الاقتصاد السياسي، متخلياً عن حلمه في دراسة الفنون الجميلة)، وأضاف أنه (نشأ في بيئة وطنية بين أسرة تمتلك حساً وطنياً عالياً، وذلك ما انعكس على نشاطاته المدرسية، حيث أنجز عددًا من الأعمال التشكيلية، من بينها تمثال لجندي يحمل بندقية، إلى جانب منحوتات أخرى)، وتابع انه (خلال إقامته في مصر، واصل مشاركته في معارض الرسم بالتوازي مع دراسته الجامعية، كما أسهم أثناء عضويته في رابطة الطلبة العراقيين في القاهرة، في تسويق وبيع اللوحات الفنية للطلبة العراقيين دعماً للنشاط الثقافي والفني الذي تتبناه الرابطة)، مشيراً إلى أنه (رُشِّح لاحقاً لرئاسة الرابطة)، وتحدث الراشد لـ (الزمان) عن مشواره الدراسي قائلاً أنه (أكمل دراسته في كلية التجارة والاقتصاد في مصر، وعمل في قطاعي الصناعة والميكانيك بمدينة الإسكندرية، وهي أعمال لم تكن بمستوى طموحاته، لكنها وفّرت له متطلبات المعيشة والنفقات الأساسية)، وأكد انه (لم ينقطع عن الرسم خلال تلك السنوات احتراماً لموهبته وإحساسه بالولاء للوطن والأرض)، وتابع (منذ مرحلتي المتوسطة والإعدادية كتب عدداً من النصوص والعناوين، أبرزها (حين كانت المحلة بيتاً واحداً)، و (أشياء للذكرى)، منوهاً إلى أن (إقامته في مصر عززت توجهه القومي والإنساني، كما أنه حظي بفرصة دخول منزل الرئيس الراحل جمال عبد الناصر)، وعبر الراشد عن (تأثره بشخصية عبد الناصر التي وصفها بالمميزة)، موضحاً أنه (بعد وفاة عبد الناصر تم تنظيم مؤتمر سنوي في جامعة عين شمس لاختيار شخصيات من مختلف الدول العربية لزيارة المنزل والاطلاع على مقتنياته وأرشيفه، وقد جرى اختياره ممثلاً عن العراق لهذه الزيارة، حيث كانت زوجة الرئيس الراحل تستقبل الزائرين بحفاوة)، بحسب وصفه، وأكد الكاتب ان (الأحداث السياسية والحربية التي شهدتها مصر آنذاك شكّلت شرارة أساسية لتعزيز تجربته في الكتابة، وإسهامها في صقل وجدانه ككاتب وفنان)، وعن واقع الصحافة والفن، بين ان (بعض الصحف تتأخر أو ترفض نشر مقالاته ذات الطابع السياسي، وتقضّل الإعلانات التجارية على العمل الصحفي، ولا تتعامل مع الصحافة بوصفها رسالة إنسانية)، على حد تعبيره، ومضى إلى القول ان (الفن في العراق يعاني حالة من الفتور والتراجع)، مشدداً على (ضرورة دعم الحكومة لمجالي الصحافة والفن، تفادياً لتحوّل حياة الفنانين إلى واقع مأساوي).