الحداثة بلا روح
نوري جاسم
في عالمٍ يتسارع فيه كل شيء حتى يكاد الإنسان يلهث خلف ظله، تشكّلت حداثةٌ لامعة المظهر، قوية الأدوات، لكنها خالية من الدفء الداخلي، حداثةٌ أقنعت الإنسان بأنه كلما امتلك أكثر صار أكثر اكتمالًا، وكلما أنتج أسرع صار أكثر قيمة، بينما كانت في العمق تُفرغه بهدوء من ذاته، وتفصل بينه وبين صوته الداخلي، فصار حاضرًا في كل شيء غائبًا عن نفسه، يعيش في فائض الوسائل ونقص المعنى. لم تكن المشكلة يومًا في العقل ولا في التقدم ولا في العلم، بل في عقلٍ استبدّ بنفسه، وتقدمٍ نسي غايته، وعلمٍ خلع عنه ثوب الحكمة، فصار يقيس كل شيء ولا يفهم شيئًا، ويحلل كل شيء ولا يحتضن شيئًا، ويُخضع الوجود للأرقام ويقصي ما لا يُرى ولا يُلمس ولا يُقاس، وكأن الروح عبءٌ زائد أو أثرٌ قديم لا يصلح لعصر السرعة. في هذا المناخ تحوّل الإنسان إلى وظيفة، وإلى رقم، وإلى كائنٍ مُنهكٍ بالإنجازات الفارغة، يملك الأدوات كلها لكنه لا يعرف لماذا يستخدمها، يفتح العالم بلمسة إصبع ويعجز عن فتح قلبه بسؤال واحد، فانتشرت الحيرة متخفية بثوب الحرية، والقلق متسترًا باسم النجاح، والعنف بوصفه نتيجة طبيعية لفراغٍ طويل لم يُسمَّ باسمه. إن الروح لم تكن يومًا ضد الحداثة، بل كانت دائمًا شرط إنسانيتها، فهي التي تمنح العلم أخلاقه، والقوة ضميرها، والحرية معناها، وحين أُقصيت الروح لم يتحرر الإنسان بل تُرك وحيدًا في كونٍ واسع بلا معنى، يتقدم خارجيًا ويتآكل داخليًا، يربح الوقت ويخسر السكينة، ولهذا فإن أزمة عصرنا ليست أزمة أدوات بل أزمة اتجاه، وليست أزمة معرفة بل أزمة حكمة، ولا تُحل بمزيد من السرعة بل بمزيد من العمق، ولا بمراكمة الإنجاز بل باستعادة المعنى. إن الحداثة التي لا تصغي لنبض الإنسان الداخلي ستبقى مشروعًا ناقصًا مهما بلغت من القوة، أما حين تتصالح مع الروح وتعيد لها مكانها في قلب الفكرة والفعل، فإن التقدم يتحول إلى خدمة، والعلم إلى رحمة، والإنسان إلى غاية لا وسيلة، ويستعيد العالم توازنه حين يتقدم دون أن يفقد قلبه. وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما ..