أعمى .. ويحلمُ بالفَرَاش }
عبد المنعم حمندي
لا أمنَ في الوطن الذبيح و لا ضياءْ .
أرواحُنا مخنوقةٌ ،
و الصبحُ أسودُ ،
و البياضُ مضرّجٌ ،
و تحجّر الشجرُ الكريم ،
و ليس ثمّةَ من سماء.
مُتْنا ، و كيفَ يموتُ مَنْ
حفروا لَهُ لِحداً مُدَلّى في الهواء .؟
...
شجرٌ حزينٌ ،
كان يبحثُ عن رؤى الأقمارِ ،
في الوطن العتيد .
ما زال يحتطبُ المآسي
.. يستعير غمامتين من الفضاءْ .
ويرقّن الآباء في لغةِ الإباء
لا ليس يتقنُ ما يؤمّل ذلك الحلم القديم .
قد كان أمنيةَ الرجاءِ ، و لا رجاءْ .
......
شيخوختي بدأت هنا ،
في مقتل النهرينِ ،
قُلْ لي كيف أكتهفُ البحار
و نصف قبري صارَ خطّ الاستواء .
و الشاربون حرائقي يتساءلون :
كم سكرةٍ حرّى يُتعتعُها الردى،
و الذئبُ يسكرُ بالدماءْ ؟ .
...
هذي الطيورُ من النحاسِ ،
و في الغيوم الذكرياتُ
الفزّعات من النعاسِ
الغافيات على الأيائك باحتراسٍ ،
كيف طارت ؟ ،
كيف ذاك الحلم طارْ ؟ .
في سكّةٍ للفجر أصعدُ ..
كي يموتَ الخوفُ فيَّ ؟ ،
.. إقامتي هذا النهارْ .
و إقامتي نزف الوداع ،
و كل من ماتوا هناكَ ..
مسمّرين على الجدار .
...
جبلٌ على كتفي ،
و خوفي فارعُ الأوهام ،
منشغلٌ و يكسرُهُ النواحْ .
عطشي القراحْ .
بيَ لهفةٌ تسمو و ينكفىءُ الصباحْ .
في كل فجرٍ تنعقُ الغربانُ..
نافذتي بوجه العصف تفتح بابها ،
فتقيأّتْ حجراً سخامَ طحالبٍ ،
تطفو فتحملها الرياحْ .
...
ها أنتَ تخفقُ،
و الغزاةُ ملوَّنون ،
رغائبٌ ، و سعادةٌ بالثأر
أطماعٌ ،
و ثمّةُ
رابضٌ متربّصٌ
من ذا يُفبّرك ، أو يصدُّ الموج و التيّارَ ؟
قد نزل المغولُ بنهر دجلة و الرماةُ ،
موزّعين
بكل قوسٍ في الجهاتْ .
و بوصل شمسٍ تقتفي نهر الفراتْ .
جاء البرابرةُ الحواةْ .
جاءوا من الأرزاء و الشرق القديمْ .
جاءوا من الغرب المبشِّر بالردى
و بأَسْحَمٍ داجٍ تَغوّلَ بالصميمْ
و ملاعنٍ تمشي على حدِّ السراط المستقيمْ .
و بفكرةٍ ترغو و تسبحُ في الجحيمْ .
هذي النوارس لا تحطُّ
اختارَها أعمى بقلبٍ أسودٍ ،
و جنونهُ الزمنُ الرجيمْ .
...
في الريح أبحثُ عن بلادٍ ، شكل نعشٍ
أيّ شيءٍ
قَدْ يدلّ
أو يطلُّ
العيسُ تصهلُ و الخيول سلحفاةٌ
ليس ثمّة من حُداة
مالي أهاجرُ في الظلام
و عزوَتي بعضُ اغترابي : الناي ،
و الشجر المندّى والرعاة
أحلامُنا سَفهٌ تناثر في الهواءِ،
و في الصدى ..
جئنا عراةً .. سوف نمضي
مثلما جئنا عراة
جئنا و أعّيتنا الشعاراتُ البليدة ،
تنتهي ، أو قد تنامُ تحت جلدي ،
الجلدُ مقصلةٌ ،
و حرّاسي الطغاة
كنّا نبارك في سرائرنا
النخيل و من بقوا ، أمسوا أضاحيَنا
نراقبُ حتفهُ و تسافل الأوباش ،
من مرّوا وَمَنْ غدروا و جاءوا بالغزاة
روحي ، بها قمرٌ و قلبي يسمع النغم الشجيّ
و رغوة المعنى ، و ما فات الرواة
من أي غيمٍ أقفز الأسوار نحو النهر،
هل تلك الطريق المزدراة هي النجاة ؟
فرشوا الحصى..
فرشوا المجامر في الحصاة
و جُثّة الوطن المقلّى في دمي
و أضَالعي تحمي الحُفاة العابرين الى الحياة
...
اغتربَ الفرَاشُ ،
عيوننا مصلوبةٌ بالأفق تنتظرُ الفُداة
أحلامُنا وئِدت بأكداس المنايا
و الطريقُ لَمْ تعُد تلك الطريق
و لا السراةُ همُ السراة !
......