الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
تطواف الغريب  (5)

بواسطة azzaman

تطواف الغريب  (5)

حسن النواب

 

أسمعُ من داخل المقهى الصغيرة ثرثرة لرجلين عجوزين حول سباق الخيول وكيف خسرا رهانهما على الحصان wind black الإعصار الأسود، أتصفح جريدة محلية توّزع مجانا في مدينة بيرث الأسترالية، يلفتُ نظري رسماً بالكاريكاتير لراية الدواعش تقطرُ دماً على القرآن؛ بينما هناك عين هلعة في سماء كابية تقطر دمعاً على صحراء قاحلة مترامية الأطراف، وثمة عبارة تحت الرسم تقول Invasion the darkness، وتعني غزو الظلام. المرأة الأوكرانية تغادر المقهى غاضبة بعد أنْ يئست من اصطياد زبون مغفل في هذا النهار البارد، بينما يدخلان فتاة وفتى بريعان الصبا كأنهما طائرا جنَّة، يجلسان قبالتي وينهمكان بتبادل القبلات النارية؛ ولم يأبها لهذا الكائن المدمَّر الذي يراقبهما بين نفثة دخان وأخرى من سيجارة ترتعش بفمه، يرن هاتفي النقال وأسمع صوت ابنتي حُسنى تستأذنني بالذهاب مع صديقاتها إِلى حفل غنائي لفرقة قادمة من أمريكا في إحدى قاعات المدينة، أسألها عن سعر التذكرة، تقول ثلاثين دولاراً، أوافق على طلبها وثمة فرح خجول يدغدغ شغاف قلبي، في عمرها كنتُ أذهب إِلى مساطر العمال فجراً عسى أنْ يختارني أحد المقاولين أو «خلفة البناء» للعمل معه مقابل أجرة مقدارها نصف دينار، أشكر الله في سرّي على سعادة أطفالي بهذه القارة التي تشبه خريطتها كبش بلا رأس؛ والماطرة ذهباً وملائكة حتى يفاجئني دخول صديقي الشاعر الأسترالي بيتر جفري، يصافحني بحرارة، أكثر من أربعة شهور مضت على آخر لقاء بيننا، يطلق آهة الشيخوخة ثم يبتسم بوجهي ويسألني متفائلاً .. أأمل أنك كتبت شعراً بغيبتك الطويلة، وأجيبه بمرارة بل كتبت قلقاً مسموعا على صفحات الصمت، يهتف أنها قصيدة؛ ويردف أنك تقول الشعر مثل فلاّح يبذر الأرض، أمكثُ صامتاً على إطرائه الذي يكرره كلما التقيه، وأتأمله بمتعة وهو يتلذذ بشرب كأس الجعة التي انعكست على سائلها الذهبي أشعة الشمس، ثم يقترح على مسامعي أنْ اشترك في جلسة شعرية بمقهى القمر التي يرتادها الشعراء كل ظهيرة سبت، أعتذر برقة على دعوته بسبب مزاجي الكئيب، وتتعالى قهقهة زبون بملابس مهرج على كلبه الذي بدأ ينبح على كلبة جميلة تقودها امرأة عجوز على الجانب الآخر من الشارع، أسمع المهرج يحدث كلبه بحب جارف بلغة إنجليزية، أترجمها إِلى العربية في ذهني:

-  عليك أنْ تتعوّد على حياة العزوبية مثلي.

أشربُ ما تبقَّى من قهوتي التي بردت وألقي تحية وداع على صديقي الشاعر الأسترالي بيتر، وفي رأسي تنطُّ الذكريات الأليمة والأفكار المزعجة كصغار المعزى؛ خلال الطريق كانت الكآبة تحاصرني والهواجس الكابية ما فتئت توخز بمرارة كياني؛ لأعودَ إِلى رشدي إثر هدير طائرة مروحية مرقت فوقي، فتملكني الرعب لقد أعادني صوتها الصاخب إِلى جبهات الحرب؛ لبثتُ واجماً حتى لمحتُ صليباً أحمر على بدن الطوّافة وقد بدأت بالهبوط، أطلقتْ حسرة طويلة وقد توترت أعصابي حين أدركتُ أنَّ حادثاً مؤسفاً وقع على الطريق، بينما نزل من الطوَّافة رجلان بملابس خضر وهرعا إِلى كنغر ينزف وسط الشارع، يبدو أنَّ شاحنة حمل صدمته بينما كان يعبر الطريق، استغرق أخلاء الكنغر الجريح إِلى الطوّافة خمس دقائق تقريبا، حتى شاهدت المروحية تحلّق بسماء بدأت تمطر، بزغت ابتسامة حائرة على وجهي وهمستُ لنفسي بأسى:

- ينقذون كنغراً بمروحية، وفي الوطن ينقلون جرحى الانفجارات بعربات الحمل.

لبثتُ أتأمل المشهد باستغراب وأجهشت بالبكاء.

يتبع

 

 


مشاهدات 24
الكاتب حسن النواب
أضيف 2026/01/12 - 3:55 PM
آخر تحديث 2026/01/13 - 2:08 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 108 الشهر 9156 الكلي 13116579
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/1/13 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير