تطواف الغريب (11)
حسن النواب
أعادني هزيم الرعد إلى كابينة التلفون، وسمعتُ كلباً ينبح من منزل قريب. حين خفَّ زخ البَرد، تركت المكان مهموماً، كقارب محطَّم يخوض بلجة يمٍّ من الأسى؛ كنت أحمل جثتي نحو الشقة وقطرات دمعٍ ذليل تنهمرُ من عيني، كأنها لم تقع على أرض المهجر، إنما كانت تتساقط على أرض السوادْ. بالوقت الذي كنت أفكر بحزن متوجِّعاً من شمس البلاد التي تدلق جمرها المستعر على أهلنا هناك مع انقطاع الكهرباء، فيما كان مساء شهر آب شتويا هنا، ينث المطر على مهل فوق رأسي الحاسر بمدينة Fremantle الساحلية، وهي أقدم مدينة في ولاية بيرث الأسترالية، هذه المدينة الهادئة والحنون تمتلك ميناءً كبيراً يضمُّ مطاعم تطلُّ على شواطئ المحيط الهندي؛ تراها طوال النهار مزدحمة بالزبائن الذين يفدون لتناول السمك بدون عظام مع البطاطا المقلية وهي أكلة شعبية تسمى « fish chips « وقد ذكرتني تلك المطاعم بالمقاهي المطلَّة على شط العرب، بل أن الطريق إِلى هذه المطاعم يشبه إِلى حد كبير كورنيش العشَّار في مدينة البصرة، لم أكن على موعد مع وجبة عشاء لتناول سمكة مشوية تم اصطيادها من المحيط الهندي، إنما كان موعدي في «حانة السمكة» للمشاركة مع شعراء وشاعرات من أمريكا وإيطاليا وبريطانيا ومالطا وأستراليا لقراءة بعض القصائد؛ إذْ تلقيت دعوة كريمة من الشاعرة الأسترالية Christensen Liana المشرفة على هذه الأمسية، حين دخلت إِلى الحانة توغَّل إِلى جلدي المقشعر من البرد دفء لذيذ كان مصدره خشب الجاوة المتوهج في موقد لصق الجدار، وتداعى في خاطري أنَّ هذه الحانة ربما تكون ملتقى للصيادين ورجال البحر ولذا أطلقوا عليها حانة السمكة، ولما جلست على مقعد أسطواني إِلى طاولة البار طلبت على عجل كأسا من الجِعة السوداء بمذاق القهوة المرة، جابت نظراتي متأملاً بحرص جدرانها التي ازدحمت بنقوش ملونة لأسماك وشباك صيد وطيور غريبة بمناقير ضخمة؛ كما رأيت لوحات سريالية تترك انطباعا غامضاً في مجاهيل الروح، ثم تأكدت من أحد الزبائن أنَّ رواد هذه الحانة كانوا من قوم الأبروجنول الذين يمتهنون صيد اللؤلؤ والسمك فيما مضى، وأصبحت حانة السمكة في الوقت الحاضر يرتادها الشعراء والأدباء والفنانين؛ ولأن الحانة كانت بقسمين يفصلهما البار البيضوي الشكل، فقد كانت الجهة الأخرى من الحانة هو المكان الذي ستبدأ على مسرحه الصغير القراءات الشعرية بعد قليل. كان المكان مزدحما بالحاضرين الذين يشربون النبيذ بهدوء بينما البعض الآخر منهم اكتفى بكأس من عصير الأناناس، وقفت إِلى جنب الموقد لدقائق استمتع بالدفء ثم سمعت مشرفة الأمسية تطلب من الحاضرين الانتباه لأن قراءة القصائد من قبل الشعراء ستبدأ الآن. كانت تلك السيدة الأسترالية قد تداولت معي بشأن التسلسل الذي أقرأ به قصائدي مع الشعراء، فأجبتها: في بلادي تعودنا أنْ لا نعوّل على ترتيب الشعراء الذين سيقرؤون بقدر ما نعتقد أنَّ القصائد وحدها الكفيلة بتقديم الشاعر على أحسن وجه، تبسمت وصافحتني بحرارة متأثرة بوجهة نظري وارتقت المسرح الصغير لتدعو الشاعرة الأمريكية Zane Rose لقراءة قصائدها…
يتبع..