الامتحان بوصفه سؤال الوجود
دعاء يوسف
ليس الامتحان حدثًا طارئًا في حياة الإنسان، بل بنية خفية من بنيات الوجود. نحن لا نخرج من امتحان لندخل آخر، بل نعيش داخل اختبار مستمر، تتبدّل أسئلته وتبقى جوهره ثابتة: من نكون حين نُوضَع في لحظة اختيار؟
في المخيال العام، يُختزل الامتحان في قاعة، وورقة، ونتيجة. غير أن هذا التصور ليس سوى تبسيط مريح لمعنى أكثر تعقيدًا. فالامتحان الحقيقي لا يعلن عن نفسه، ولا يمنح مهلة للاستعداد، ولا يسمح بتصحيح الإجابة. يأتي فجأة، في هيئة إنسان يخطئ، أو موقف يربك، أو علاقة تنكشف فيها المسافة بين ما نقوله عن أنفسنا وما نمارسه فعلًا.
الاختبار، في معناه الوجودي، ليس محاكمة للآخر بقدر ما هو مواجهة للذات. هو اللحظة التي تتعرّى فيها القيم من شعاراتها، ويُسأل الإنسان عمّا تبقّى منه حين تتصادم المصلحة مع المبدأ، والقدرة مع الرحمة، والحكم مع الفهم.
نحن نمتحن بعضنا بعضًا دون اتفاق مسبق. كل لقاء يحمل في داخله احتمال الفشل، لا بوصفه عجزًا، بل بوصفه انكشافًا. فالإنسان لا يُقاس حين ينجح، بل حين يخفق. عندها فقط يظهر السؤال الأخلاقي الحقيقي: هل نرى في الخطأ نهاية للمعنى، أم بداية لفهم أعمق؟
في هذه اللحظات، ينقسم الناس لا إلى صالحين وطالحين، بل إلى من يملكون شجاعة الاحتفاظ بإنسانيتهم، ومن يتخلّون عنها بسهولة. الكرامة هنا لا تُفهم باعتبارها تساهلًا، بل باعتبارها وعيًا بأن الإنسان أكبر من لحظة سقوطه، وأن الخطأ لا يمنح أحدًا حق الإلغاء.
أما الإهانة، فهي ليست فعلًا عابرًا، بل موقف وجودي. هي قرار بتحويل الآخر إلى كائن أقل، إلى تجربة فاشلة، إلى عبء يجب التخلص منه. وغالبًا ما تتخفّى الإهانة خلف أقنعة أخلاقية: الصراحة القاسية، الحزم، أو الدفاع عن الذات. لكنها في جوهرها تعبير عن عجزٍ عن تحمّل تعقيد الإنسان.
في الامتحانات الوجودية، لا أحد يخرج بريئًا بالكامل. نحن نُخطئ في التقدير، نبالغ في الأحكام، ونُسرف أحيانًا في القسوة، لا لأننا أشرار، بل لأن الوجود نفسه مُرهق، ولأن الحفاظ على المعنى يتطلب جهدًا لا يرغب الجميع ببذله.
العلاقات الإنسانية، في هذا السياق، ليست روابط ثابتة، بل مساحات اختبار. لا تُقاس بطولها ولا بحدّتها، بل بعدد اللحظات التي كان يمكن فيها أن نختار الفهم بدل الإدانة، والاحتواء بدل الإقصاء، والصمت الحكيم بدل الكلمة الجارحة.
والخروج من حياة الآخرين لا يعني دائمًا الفشل. أحيانًا يكون الانسحاب فعل نضج، شرط أن يتم دون تشويه، ودون تحويل الذاكرة إلى ساحة تصفية حسابات. فليس كل قطيعة هزيمة، كما أن ليس كل بقاء فضيلة.
اللافت أن كثيرين ينجحون في امتحانات المعرفة، ويخفقون في امتحانات المعنى. لأن المعرفة تُدرَّس، أما المعنى فيُعاش. ولأن الوجود لا يسأل عمّا نعرفه، بل عمّا نفعله حين تُختبر قدرتنا على أن نكون بشرًا، لا قضاة.
في النهاية، الامتحان الحقيقي ليس ما نمرّ به، بل ما نتركه خلفنا. الأثر الذي نخلّفه في حياة الآخرين، والطريقة التي خرجنا بها من لحظات الاختبار: هل خرجنا ونحن أكثر إنسانية، أم أكثر قسوة؟
ذلك هو السؤال الوجودي الذي لا إجابة نهائية له،
والامتحان الذي لا تُعلَّق نتائجه على جدار،
لكنه يُكتب بصمت في سيرة كل واحدٍ منا.