الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
قصة لقاء وسطور وفاء

بواسطة azzaman

نقطة ضوء

قصة لقاء وسطور وفاء

محمد صاحب سلطان

 

على يسار هذا العمود الصحفي الإسبوعي للسبت الماضي 1/3، نشرت الزمان الغراء قصيدة جديدة للشاعر الكبير الأستاذ حميد سعيد بعنوان (مهرجان الغياب) مرفقة بصورته البهية، بعد أن نوهت عنها بصفحتها الأولى،  فهاجت بي مشاعر الحنين والإمتنان لشخصه النبيل، ويبدو إن الإنسان لا يدرك من أمره شيئا ،بل الاقدار هي التي تسيره، وهذا ما حدث لي، عندما إستعادت ذاكرتي اللقاء الأول معه منتصف عام 1978، عند تسلم إدارة دار الجماهير للصحافة التي كانت تضم(جريدة الجمهورية،مجلة ألف باء، جريدة هاوكاري، ودار المأمون للترجمة)، وعند درجاته الأول تعارفنا ، بادرني عن إسمي، قلت:محمد، طالب في قسم الإعلام بكلية الآداب حالياً وذاهب إلى قسم التحقيقات في الجريدة، التي أعمل فيها على نظام القطعة (قلتها وأنا أصك أسناني إفتخارا!)، أفحمني فجأة: ولم لا تعمل على نظام العقد، وضحك؟، قطبت حاجبي محتدا وأردفت:ومن تكون حضرتك ؟قال:زميلك القادم توا من مدريد حميد أبو بادية، جئت لتسلم وظيفتي في الدار.. ولم يكمل حتى إقتحم حوارنا صوت مدير التحرير ، باشا ومرحبا بمحدثي وهو يطل من أعلى الدرج، معتذرا عن تعطل المصعد فجأة!، تحف به كوكبة خيرة من رؤساء الأقسام التحريرية والفنية والإدارية من الذين كنت أحلم بلقاء بعضهم على إنفراد، ومن شدة دهشتي، تواريت خلف أحدهم وهمست بأذنه (من يكون؟).. ردد بالنبرة الخافتة نفسها: معقولة جئت معه ولم تعرفه؟ إنه المدير العام ورئيس التحرير الجديد يا ولدي!، وأنتبه أبو بادية لإختفائي القسري عنه، فألتفت تجاهي وبحركة وداع من يده مصحوبة بإبتسامة صديق-هكذا أحسستها- ودخل مكتبه، وفي اليوم الثاني زار جميع أقسام الجريدة من (قبو المطبعة وحتى الكافتيريا مرورا بالأقسام الفنية والتحريرية والإدارية) للتعرف على حركة العمل وأشخاصه ميدانيا والإستماع إلى مشكلاتهم وسبل تطوير العمل، سبقه أمر إداري علق في لوحة الإعلانات بتعيين جميع العاملين بنظام القطعة وتحويلهم إلى نظام المكافأة الشهرية الثابتة وبصيغة العقد لضمان حقوقهم، التي كانوا يطالبون بها منذ سنوات من دون جدوى!، وهكذا ظل أبو بادية طيلة الشهور التسعة التي قضاها في الدار على الرغم من قصرها، صديقا ومحبا للجميع وغير الكثير من أنظمة الإدارة الصحفية وأنماطها، مهتما بالشباب وبرعاية المواهب وأصحاب الخبرات وعنصرا جاذبا للكفاءات، وتبددت دهشتنا بإدائه الراقي والنهوض بالمؤسسة إلى  مستوى يشار له بالبنان بين نظيراتها الأخريات، بعد أن عرفنا، فيما بعد ان أبا بادية لم تكن هذه مسؤوليته الأولى ،بل سبق له أن ترأس تحرير صحيفة الطليعة الصادرة في الستينيات بمدينته الحلة، وكان عمره 22 عاما لذا يعد أصغر رئيس تحرير عرفته الصحافة العراقية.. بعدها دارت بنا الأيام، هو تنقل في أكثر من موقع صحفي وإعلامي وثقافي، وأنا قذفتني أمواج الحياة إلى أكثر من جانب مهنيا ودراسيا، لكن ظل الحب الصامت وقود مودتنا، وفي كل لقاء متباعد مع تلامذته، كنت ألمح في عينيه إمارات الفخر والإعتزاز جراء ما زرعته يده الكريمة من شجر أثمر كفاءات، يراهم أمامه، وقد إشتدت أعوادهم ،يمارسون أدوارهم الإعلامية على المنوال المهني السليم، فكان يحاور ويناقش ويقول ما يمليه عليه ضميره المهني والوطني ولا يقبل بأنصاف الحلول أو في ترقيع المواقف، مذكرا أن العمل من دون عدة صحيحة يعني السباحة في نهر بلا عودة، فكانت كتاباته ولا سيما عموده الشهير (آخر الكلام)، الذي يعد مدرسة في كتابة هذا اللون الصحفي، المتميز بالإختزال والتنوع والثراء في إستخدام المفردة وعناصر جذب القارئ، الذي تعلمنا منه إن الكتابة مسؤولية وإن الصحفي ملك الشعب وليس ملك كهنة المال وأوصياء التضليل من الذين يبدلون جلودهم الحرباوية كل يوم.. لذا كنت دوما أتلهف للقائه كلما سنحت الفرصة لذلك، لأستزيد من علمه وأغترف من خبرته وحسن بصيرته..فسلاما له.

 


مشاهدات 209
الكاتب محمد صاحب سلطان
أضيف 2026/01/10 - 1:09 AM
آخر تحديث 2026/01/10 - 12:47 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 441 الشهر 7017 الكلي 13114440
الوقت الآن
السبت 2026/1/10 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير