أسس القوة الإستراتيجية الأمريكية والفشل المتكرّر
قتيبة آل غصيبة
تُعدّ القوة الأميركية الاستراتيجية نتاج منظومة شديدة التعقيد تجمع بين التفوق العسكري والتكنولوجي؛ والهيمنة الاقتصادية؛ والقدرة على بناء التحالفات الدولية؛ والنفوذ السياسي والدبلوماسي؛ إضافة إلى السيطرة الواسعة على الفضاء الإعلامي والمعرفي، وقد منحت هذه الأسس الولايات المتحدة؛ منذ نهاية الحرب العالمية الثانية موقع القوة العظمى القائدة للنظام الدولي خلال الحرب الباردة وما بعدها، غير أن التجربة التاريخية أثبتت أن هذه المزايا؛ على الرغم من ضخامتها؛ حملت في بنيتها الداخلية نقاط ضعف جوهرية؛ أسهمت في فشل الولايات المتحدة في حسم العديد من الحروب والصراعات التي خاضتها؛ وفي عجزها عن معالجة ظواهر معقّدة مثل الميليشيات والفصائل المسلحة في دول كأفغانستان والعراق ولبنان.
خلال الحرب الباردة، قامت الاستراتيجية الأميركية على الردع النووي؛ والانتشار العسكري العالمي؛ وبناء الأحلاف الكبرى؛ واستخدام القوة الاقتصادية والإعلامية في مواجهة المعسكر الاشتراكي، وقد نجحت هذه المقاربة في منع نشوب حرب عالمية شاملة؛ لكنها فشلت في حسم حروب الأطراف والصراعات غير المتماثلة؛ (الصراعات غير المتماثلة: هي صراعات بين طرفين غير متساويين في القوة العسكرية أو الاقتصادية أو التكنولوجية. غالبًا ما يكون أحد الأطراف قوة عظمى أو جيشًا نظاميًا، بينما يكون الطرف الآخر مجموعة مسلحة أو حركة مقاومة أو متمردين)، فالولايات المتحدة تعاملت مع تلك النزاعات من منظور عسكري صرف؛ متجاهلة الخصوصيات القومية والثقافية والاجتماعية للشعوب؛ ما جعل تفوقها العسكري عاجزاً عن كسر إرادة خصوم يمتلكون شرعية محلية وقدرة عالية على الصبر والاستنزاف، كما في حربي كوريا وفيتنام، وهنا برزت أولى مفارقات القوة الأميركية؛ حيث تحوّل التفوق العسكري إلى عبء سياسي وأخلاقي داخلي وخارجي؛ وأثبت أن القوة الصلبة وحدها لا تصنع نصراً استراتيجياً دائماً.
انتصار عسكري
بعد نهاية الحرب الباردة، انتقلت الولايات المتحدة من سياسة الاحتواء إلى سياسة التدخل المباشر وإعادة هندسة الدول، في أفغانستان؛ أظهرت قدرتها الفائقة على إسقاط الأنظمة بسرعة؛ لكنها أخفقت في تحويل الانتصار العسكري إلى استقرار سياسي مستدام؛
فقد بُني التدخل على افتراضات غير واقعية حول إمكانية فرض نموذج دولة حديثة في مجتمع قبلي شديد التعقيد؛ تحكمه شبكات الولاء المحلي والديني، ومع الاعتماد المفرط على القوة الجوية والتكنولوجيا العسكرية؛ تآكلت شرعية الدولة التي دعمتها واشنطن؛ وأعيد إنتاج القوى المناهضة لها بأشكال جديدة، إلى أن انتهى التدخل بانسحاب كشف بوضوح حدود القوة الأميركية حين تنفصل عن الفهم العميق للبنية الاجتماعية والسياسية للمجتمع المستهدف.
وفي العراق، تكررت المعضلة بصورة أكثر تعقيداً، فقد تحقق إحتلال العراق بسرعة غير متوقعة، لكن غياب رؤية استراتيجية لإدارة مرحلة ما بعد الحرب حوّل التفوق العسكري إلى عامل فوضى، فقد أوجد حلّ مؤسسات الدولة، ولا سيما الجيش فراغاً أمنياً وسياسياً عميقاً؛ استغلته قوى محلية وإقليمية؛ وأدى إلى نشوء ميليشيات وفصائل مسلحة أصبحت لاحقاً جزءاً من المعادلة السياسية والأمنية، كما أن الرهان على نخب سياسية تسربلت بالطائفية والعرقية من دون بناء عقد اجتماعي جامع عمّق الانقسامات الداخلية؛
وأضعف مفهوم الدولة الوطنية؛ ما جعل أي إنجاز عسكري غير قابل للتحول إلى نصر استراتيجي مستدام.
ويبرز العجز الأميركي بشكل أوضح في التعامل مع ظاهرة الميليشيات والفصائل المسلحة في لبنان والعراق، فالولايات المتحدة تمتلك قدرة عالية على توجيه ضربات عسكرية دقيقة؛ وفرض عقوبات اقتصادية ومالية؛ واستخدام الضغط الدبلوماسي والإعلامي، لكنها تفتقر إلى أدوات فعالة لحل ظواهر متجذرة اجتماعياً وسياسياً، فهذه الفصائل لا تمثل مجرد تشكيلات مسلحة؛ بل شبكات متكاملة ذات امتدادات اجتماعية واقتصادية وعقائدية؛ تستمد قوتها من بيئات محلية تشعر بالتهديد أو التهميش؛ ومن دعم إقليمي ودولي متشابك، فإن أي مواجهة عسكرية شاملة معها قد تؤدي إلى تفكك الدولة أو اندلاع صراع أهلي واسع؛ وهو ما تدركه واشنطن جيداً؛ ما يدفعها إلى تجنب الحسم العسكري المباشر.
أما عن مدى نجاح الولايات المتحدة مستقبلاً في هذا الملف، فإن المعطيات تشير إلى أن استراتيجيتها ستبقى محصورة في إطار الإدارة والاحتواء لا الحل الجذري، فواشنطن تدرك أن تفكيك الميليشيات بالقوة الصلبة سيؤدي إلى كلفة سياسية وأمنية تفوق المكاسب المتوقعة، لذلك ستعتمد على مسار تدريجي متعدد الأدوات؛ يبدأ بتجفيف مصادر التمويل عبر العقوبات الاقتصادية والمالية؛ واستهداف شبكات الدعم اللوجستي والاقتصادي؛ ثم تقليص النفوذ السياسي لتلك الفصائل من خلال دعم مؤسسات الدولة الرسمية وتعزيز قدراتها الأمنية بصورة تدريجية، كما ستسعى إلى دمج بعض العناصر القابلة للاحتواء ضمن أطر قانونية أو أمنية رسمية؛ بالتوازي مع استخدام الضغط الدبلوماسي والإعلامي لعزل الميليشيات دولياً ونزع الشرعية عنها.
تحسين خدمات
وفي الوقت ذاته، ستعمل الولايات المتحدة على تقليص الحاضنة الشعبية لهذه الفصائل عبر دعم إصلاحات الحكم؛ وتحسين الخدمات؛ وتعزيز مفهوم الدولة الوطنية؛ إدراكاً منها بأن الميليشيات تزدهر في بيئات الضعف المؤسسي وانعدام الثقة بين الدولة والمجتمع، غير أن نجاح هذه المقاربة يبقى محدوداً ومشروطاً بعاملين حاسمين، أولهما طبيعة الدور الإقليمي الداعم لهذه الميليشيات؛ وثانيهما قدرة الدولة المحلية على استعادة ثقة مواطنيها وبناء عقد اجتماعي جامع، ومن دون تحقق هذين الشرطين؛ ستظل السياسة الأميركية تدور في فلك إدارة الأزمة ومنع انفجارها، لا إنهائها.
في المحصلة، تكشف التجربة التاريخية أن القوة الأميركية الاستراتيجية؛ على الرغم من تفوقها الهائل؛ فإنها تعاني من فجوة بنيوية بين القدرة على إسقاط الأنظمة أو إضعاف الخصوم عسكرياً؛
وبين القدرة على بناء الاستقرار وإنهاء الصراعات المعقّدة، هذه الفجوة ناتجة عن اعتماد مفرط على القوة الصلبة؛ ومحدودية الفهم العميق للسياقات المحلية؛ وتناقض الأهداف الاستراتيجية بعيدة المدى مع القيود السياسية والأخلاقية الداخلية، ولهذا خرجت الولايات المتحدة منتصرة في الحرب الباردة على مستوى النظام الدولي؛ لكنها أخفقت مراراً في تحقيق نصر حاسم ومستدام في حروبها وتدخلاتها؛ ولا تزال عاجزة عن تفكيك بنى الميليشيات والفصائل المسلحة في بيئات تتشابك فيها السياسة بالسلاح والهوية والمصالح الإقليمية، وهو ما يحدد بدقة حدود القوة الأميركية في عالم يتغير بسرعة وتعقيد.