الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
مسار الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ومآلاتها

بواسطة azzaman

مسار الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ومآلاتها

نصيف الخصاف

 

كتبت قبل اندلاع الحرب بأيام أنّ احتمال اندلاعها متوقف على أمرين حاسمين:

الأول: نجاح نتنياهو في تغيير أولويات ترامب وتوجهاته بما يتسق مع أهدافه وتوجهاته في القيام بحرب تفضي إلى تغيير النظام في إيران، ويبدو أن نتنياهو -بخلاف ما أعلن بعد لقاءه ترامب- قد نجح في ذلك، وهنالك أصوات داخل الولايات المتحدة، وكثير من حلفاءها تؤكد أن هذه الحرب هي حرب نتنياهو، وهو من جرّ الولايات المتحدة إليها، فأهداف الحرب المعلنة، كان يمكن تحقيقها من خلال المفاوضات التي دخلت فعلياً قبل الحرب، في مرحلة مناقشة التفاصيل الفنية للاتفاق.

الثاني: وجود ترتيبات مخابراتية مع تنظيمات ومجموعات داخلية إيرانية، قادرة على قلقلة الوضع الأمني الإيراني الداخلي، بالتزامن مع العمل العسكري .... كما حدث خلال حرب ال12 يوماً، لكن على نطاق أوسع قد يفضي إلى إسقاط النظام.

ومن متابعة ما ترشح من أخبار خلال الأيام السابقة، يبدو أن إسرائيل لا تمتلك ما يكفي من العملاء داخل إيران، بالعدد والتجهيز الذي كان عليه الحال في حرب ال 12 يوماً، فلجأت مع الولايات المتحدة إلى العمل مع تنظيمات إيرانية كردية للقيام بتمرد في مناطق شمال غرب إيران، ما يؤكد ما ذكرته بشأن عدم امتلاك إسرائيل والولايات المتحدة القدرة على إسقاط النظام، أو أن توقيت ذلك لم يحن بعد.

الجدير ذكره، أن الأحزاب المعارضة الكردية الإيرانية سبق أن شكلت ائتلافاً بتاريخ 23 شباط 2026، باسم ائتلاف القوى السياسية في كردستان إيران، ضم حزب الحرية الكردستاني (PAK)، والحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني (PDKI)، وحزب الحياة الحرة الكردستاني (PJAK)، ومنظمة خبات كردستان إيران، وكومله كادحي كردستان، أعلن أن هدفه الرئيسي هو "الإطاحة بالنظام الإيراني، والحصول على حق تقرير المصير للشعب الكردي، وبناء مؤسسة وطنية وديمقراطية على أساس الإرادة السياسية للشعب الكردي"

كشفت مصادر أمريكية لشبكةCNN  أنّ وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) تعمل على تسليح القوات الكردية بهدف إشعال انتفاضة شعبية في إيران.

وأضافت المصادر أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجري محادثات مكثفة مع جماعات المعارضة الإيرانية والقيادات الكردية في العراق بشأن تقديم الدعم العسكري لهم.

وكان ترامب قد أجرى اتصالاً الثلاثاء الثالث من آذار الجاري، مع رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، مصطفى هجري، وفقاً لمسؤول كردي إيراني رفيع المستوى.

وذكر مسؤول كردي إيراني رفيع المستوى لـ CNN  أنه من المتوقع أن تشارك قوات المعارضة الكردية الإيرانية في عملية برية غرب إيران خلال الأيام المقبلة.

وأوضح المصدر، مُفسرًا توقيت العملية: "نعتقد أن لدينا فرصة كبيرة الآن"[1]. وأضاف أن الميليشيات تتوقع دعمًا أمريكيًا وإسرائيليًا.

تكشف هذه الأخبار ما سبق أن استنتجه المستشار الألماني فريدريش ميرتس عقب لقائه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بعدم وجود خطة لدى الإدارة الأمريكية لما بعد الحرب في إيران، حين ذكر في مقابلة مع قناة "زد دي إف" الألمانية، أنه لا يزال يفتقد إجابات بشأن الكيفية التي قد تتطور بها الأوضاع في إيران بعد الحرب. وأنّ كثيراً من الأسئلة ظلت مفتوحة بعد مناقشة "منفتحة للغاية" جرت في البيت الأبيض. وقال ميرتس في المقابلة، إنّه "لاحظ درجة عالية نسبياً من عدم اليقين لدى أميركا بشأن استراتيجية اليوم التالي في إيران".

وكان ترامب قد اتصالًا هاتفيًا مع قادة الأكراد العراقيين يوم الأحد، الأول من آذار الجاري، لمناقشة العملية العسكرية الأمريكية في إيران، وكيفية تعاون الولايات المتحدة والأكراد مع تقدم المهمة، وفقاً لما ذكره مسؤولان أمريكيان ومصدر ثالث مُطلع على المحادثات.

ويرى مراقبون أنّ أية محاولة لتسليح الجماعات الكردية الإيرانية تتطلب دعمًا من الأكراد العراقيين للسماح بمرور الأسلحة واستخدام كردستان العراق كقاعدة انطلاق

وذكر مسؤول أمريكي آخر إن الأكراد "قد يُساهمون في إثارة الفوضى في المنطقة واستنزاف الموارد العسكرية للنظام الإيراني"[2] ، أي أن أقصى ما سيتحقق من هذه الخطوة، هو "إثارة الفوضى في المنطقة، واستنزاف الموارد".

وتركزت أفكار أخرى حول إمكانية سيطرة الأكراد على أراضٍ في شمال إيران، ما يُشكل منطقة عازلة لإسرائيل، وربما سيتكرر سيناريو قسد في سوريا ومنطقتهم العازلة التي انتهت بانتهاء أسباب إيجادها.

قال أليكس بليتساس، وهو محلل الأمن القومي في شبكة CNN  والمسؤول السابق في  وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) في عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما، إنّ الولايات المتحدة "تحاول بوضوح إشعال عملية الإطاحة بالنظام الإيراني من خلال تسليح الأكراد" الحليف الإقليمي التاريخي للولايات المتحدة.

وقال مسؤول في إدارة ترامب: "قد لا يكون الأمر بهذه البساطة، أي إقناع الأمريكيين لقوات وكيلة بالقتال نيابةً عنهم. فهناك مجموعة من الأشخاص يُفكّرون في مصالحهم الخاصة، والسؤال هو ما إذا كان إشراكهم يتوافق مع هذه المصالح"[3].

يُذكر أنّ الأيام الأخيرة، شهدت شنّ سلاح الجو الإسرائيلي غارات على مواقع عسكرية وأمنية إيرانية على طول الحدود المحاذية للعراق، ما يُفسّر بأنه تمهيد وتسهيل لتحرك محتمل للقوات الكردية المسلحة في شمال غرب إيران، وهو سيناريو لا يؤكد قدرة الولايات المتحدة وإسرائيل على إسقاط النظام في طهران بقدر ما يؤكد العكس تماماً، لأن تغيير النظام عن طريق الولايات المتحدة وحلفاءها يتطلب المحافظة قدر الإمكان على مقومات الدولة وتماسكها، وعدم انفراط عقدها، الأمر الذي لا تحققه انتفاضة كردية تقتصر على المناطق ذات الأغلبية الكردية، أقصى ما ستفضي إليه، منطقة ذات حكم ذاتي، على غرار إقليم كردستان العراق.

هذا الخيار الخطر قد يؤدي إلى عواقب وخيمة على كل دول المنطقة، بما في ذلك، وأولها العراق، لأن رد الفعل الإيراني سوف لن يقتصر على المسلحين الأكراد داخل إيران حسب، بل سيتعداه إلى ضرب إقليم كردستان العراق، كما سبق أن حذرت إيران السلطات في كل من بغداد وأربيل، مع أني أعتقد أن الرد الإيراني لن يقتصر على ضربات صاروخية أو بطائرات مسيرة لبعض المواقع في الإقليم، بل أكثر من ذلك بكثير.

وبينما يتواصل القصف الأمريكي-الإسرائيلي على إيران، تقوم الأخيرة باتباع استراتيجية تعتمد على رفع كلفة الحرب، ليس على الولايات المتحدة وإسرائيل، بل على كل دول المنطقة التي تستضيف قواعد أمريكية التي تطالها الصواريخ والمسيرات الإيرانية، مع أن هذه الاستراتيجية تشتت القدرات العسكرية والجهد العسكري الإيراني، وتزيد أعباء الحرب على إيران ذاتها، وتوسع من دائرة أعداءها، وتعزز السردية الأمريكية- الإسرائيلية بأن امتلاك إيران لصواريخ متوسطة وبعيدة المدى يشكل خطراً على دول العالم، فيما كان يمكن تركيز كل الضغط باتجاه إسرائيل، فهي القاعدة الرئيسة للولايات المتحدة- إن كان الهدف أكبر قواعدها- وهي التي جرّت الولايات المتحدة إلى الحرب، ومشاركة بقوة في الضربات التي استهدفت وتستهدف إيران، وكان يمكن أن يحشد ذلك التعاطف المتوقع من كل دول الخليج- أو شعوبها على أقل تقدير- كما حدث خلال حرب الأيام ال 12 السابقة، بدل دفعها دفعاً باتجاه الانخراط الرسمي في الحرب ضدها، كما قد يحدث لاحقاً.

لا تبحث إيران عن الانتصار في هذه الحرب بقدر ما تبحث عن عدم الخسارة كما أشار أكثر من محلل وخبير عسكري، لكن ردود أفعال إيران غير المنضبطة، التي طالت دول عديدة حولها (بينما أكتب المقال قصفت إيران أذربيجان المجاورة) قد يدفع تلك الدول، إلى المشاركة المباشرة بالحرب، بما لا يتيح لإيران الخروج منها ب"عدم الخسارة"، وحينها سندخل في سيناريوهات أخرى لا تقود إلا إلى الفوضى الشاملة.

إنهاء الحرب، كما تريد وتسعى إليه إيران، متوقف بدرجة كبيرة على قدرتها على إيلام إسرائيل وجعل كلفة استمرار الحرب على إسرائيل، وليس على الولايات المتحدة، كبيرة بما لا تستطيع تحملها. لكن الطريقة التي تدير إيران فيها الحرب، كما أدارت حرب ال12 يوماً، أي بانتظار الضربات، ومن ثم الرد عليها، لا تحقق هذا الهدف. كان يمكن لإيران جعل إسرائيل في موقف الدفاع على مدار الساعة، بمجرد استمرار استهدافها بطائرات مسيرة واطئة الكلفة، ما يقلص قدرتها على توجيه ضربات إلى إيران، ويشتت ويستنفذ أنظمة الدفاع، ويزيد من كلفة مواصلة الدفاع (كلفة طائرة مسيرة من نوع شاهد 35 ألف دولار، بينما إسقاطها يتم بثلاثة صواريخ كلفة الواحد منها ثلاثة ملايين دولار).

لا بد أن أشير إلى أمر مهم يغيب عن بال الكثيرين، هو أن الصاروخ وسيلة نقل، يمكن أن يحمل أقمار صناعية، أومركبات فضائية، أو رأس رأس متفجر، وعندها يكون سلاحاً، وتعتمد فعاليته على أمرين، الأول حجم الرأس المتفجر، والثاني دقة توجيهه وإصابته للهدف.

وبالمقارنة مع الطائرات فالرأس المتفجر لصاروخ سجيل الإيراني يبلغ 650 كيلوغرام، والرأس المتفجر لصاروخ خرمشهر 4 يبلغ نحو 1500 كيلو غرام، بينما تبلغ حمولة الطائرة (F-16 Fighting Falcon) من 7,300 كيلوغرام إلى 7,700 كيلوغرام من المتفجرات، وتستطيع القاذفة الاستراتيجية الأمريكية بي-52 ستراتوفورتريس (B-52 Stratofortress) حمل حمولة أسلحة وذخائر تقليدية، أو نووية تصل إلى نحو 31,500 كيلو غرام.

بمعنى أنه لكي تُحدث إيران ذات التدمير الذي تُحدثه طائرة F16 واحدة، بطلعة واحدة على إيران، عليها أن تقصف إسرائيل ب 12 صاروخ من نوع سجيل، ولكي تحدث ذات التدمير الذي تُحدثه القاصفة بي-52 واحدة بطلعة واحدة على إيران، عليها أن تقصف إسرائيل ب 21 صاروخ خرمشهر 4، على أن تنجح في تجاوز الدفاعات الإسرائيلية.

أطلقت إيران نحو 155 صاروخًا باتجاه إسرائيل في اليوم الأول من الحرب، ونحو 65 صاروخاً في اليوم الثاني، ثم انخفضت عمليات إطلاق الصواريخ إلى 24 في اليوم الثالث (الاثنين) وإلى 20 صاروخاً يوم الثلاثاء، ما يشير إلى تراجع ملحوظ في قدرة إيران على مواصلة إطلاق الصواريخ، أما بسبب اقتصاد إيران في عمليات الإطلاق تحسباً لإطالة أمد الحرب، أو أن الولايات المتحدة، وإسرائيل، نجحتا في تدمير أعداد كبيرة من منصات الإطلاق.

لا أريد أن أستبق الأحداث، لكن ما تشير إليه البيانات أعلاه، هو أن الولايات المتحدة وإسرائيل، قد أحدثتا دماراً كبيراً بإيران، لا يوازي ما أحدثته إيران بإسرائيل، لكنهما أخفقتا -لغاية كتابة هذه السطور- في إحداث ما يشير إلى إمكانية إسقاط النظام قريباً، بل أظهرت المؤشرات انعدام توفر رؤية واضحة لكيفية تحقيق ذلك، تعززها عمليات البحث المتأخر عن حلفاء محليين، مثل الأكراد، للإسهام في خلق مشكلة أمنية للنظام في مناطق محددة، لا تحقق لهما بأي حال من الأحوال تحقيق هدف إسقاط النظام.

 

 


[1] "CIA تعمل على تسليح قوات كردية لإشعال انتفاضة في إيران".. مصادر تكشف لـCNN التفاصيل، CNN العربية، 4 آذار 2026.

[2] المصدر السابق.

[3]  المصدر السابق.


مشاهدات 54
الكاتب نصيف الخصاف
أضيف 2026/03/07 - 2:28 PM
آخر تحديث 2026/03/08 - 3:04 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 134 الشهر 6501 الكلي 14960570
الوقت الآن
الأحد 2026/3/8 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير