حملات التسقيط بين الصراع السياسي وغياب الوعي العام
كامل كريم الدليمي
مع اقتراب مواعيد التنافس على المناصب العليا في العراق، تتصاعد حملات التسقيط والتشهير والابتزاز التي تستهدف كبار الساسة والفاعلين في المشهد السياسي. هذه الحملات لم تعد مجرد أدوات صراع سياسي تقليدية، بل تحولت إلى ظاهرة منظمة تُدار بوسائل متعددة، أبرزها الفضاء الرقمي، وتُغذّى بخطاب تحريضي يفتقر إلى المسؤولية والأخلاق العامة.
تعتمد حملات التسقيط على نشر معلومات مجتزأة أو مفبركة، وتضخيم الأخطاء، واستغلال الشائعات، وأحيانًا الابتزاز المباشر، بهدف تشويه السمعة وإضعاف الخصوم قبل دخولهم سباق التنافس. وغالبًا ما تُقدَّم هذه المواد على أنها “حقائق” أو “وثائق مسرّبة”، دون تحقق أو مساءلة، ما يخلق بيئة ملغومة يصعب فيها على المواطن التمييز بين النقد المشروع والتشهير المتعمد.
الأخطر من ذلك أن هذه الحملات تعكس أزمة أعمق تتعلق بغياب الوعي العام وتضليل الجمهور. فبدل أن ينشغل الرأي العام بمناقشة البرامج الانتخابية، والرؤى الاقتصادية، ومشاريع الإصلاح، يُسحب النقاش إلى ساحات الفضائح والصراعات الشخصية. وهنا يصبح المواطن ضحية مزدوجة: ضحية معلومات مضللة، وضحية تهميش لقضاياه الحقيقية.
كما تتحمل بعض الجهات الإعلامية ومنصات التواصل مسؤولية مضاعفة عندما تنخرط، عن قصد أو دون قصد، في ترويج هذا الخطاب، بحثًا عن الإثارة أو نسب المشاهدة، على حساب الحقيقة والمصلحة العامة. في ظل غياب أطر قانونية رادعة أو تطبيق فعّال للقوانين، تتسع دائرة الفوضى، ويتحول التسقيط إلى أداة ضغط وابتزاز سياسي.
إن مواجهة هذه الظاهرة لا تكون بتكميم الأفواه أو إلغاء النقد، بل بترسيخ ثقافة الوعي والتمييز بين النقد البنّاء والتشهير، وتعزيز الإعلام المهني، وتفعيل القانون، والأهم من ذلك بناء وعي مجتمعي يدرك أن اختياراته السياسية يجب أن تقوم على البرامج والكفاءة والنزاهة، لا على حملات التشويه والتضليل.
فبدون جمهور واعٍ، ستبقى حملات التسقيط سلاحًا فعالًا في معارك السلطة، وسيبقى مستقبل العملية السياسية مرهونًا بمن يجيد إدارة الشائعة أكثر ممن يملك مشروعًا حقيقيًا لبناء الدولة .