قيامة القلب
عمار عبد الواحد
بين اكوام الحديد التي كانت يوما دبابات شامخة واليات الجنود التي استحالت قطعا من الخردة المتفحمة والاشلاء المتناثرة على جنبات طريق العودة الطويل.
يزحف الجنود العائدون سيرا على الاقدام في رحلة شاقة نحو المجهول حيث الوجوه شاحبة والاجساد منهكة ينهشها العطش والجوع في مشهد جنائزي مهيب غابت فيه ملامح الحياة وانقطعت فيه سبل الوصل. فلا ماء ولا كهرباء ولا مدن تشبه المدن وسط هذا الخراب الشامل الذي خيم على خارطة العراق المتعبة وبدت فيه ملامح التقسيم تطل براسها من بين شقوق الارض العطشى كانت هناك فتاة تقف كاشجار النخيل الصامدة وقد اغرق الدمع عينيها وهي تراقب انكسار ابناء بلادها في تلك اللحظة الكئيبة التي ماتت فيها كل الرغبات وتوقفت فيها عقارب الزمن كان الياس قد تمكن من القلوب واغلقت الشهية ابوابها عن كل شيء الا ان معجزة ما كانت تولد من رحم هذا الموت؟ فوسط طابور المتعبين وقعت عينا جندي منهك على تلك الفتاة فالتقت النظرات واشتبكت كالسهام المارقة في سكون الليل لتعلن في لحظة خاطفة.
ان كل شيء قد يموت الا الحب وان كل شيء قد يندثر الا النبض الذي يرفض الانصياع للهزيمة كانت تلك النظرة المتبادلة بمثابة الاعلان الصريح عن عودة الروح الى جسد البلاد المنهك فمن عينيها استمد الجندي قوة البقاء ومن صمودها ادرك ان العراق لا يموت ابدا مهما تكالبت عليه المحن لان الحب هو الصخرة التي تتحطم عليها كل مشاريع الفناء وهو القوة الخفية التي تعيد تشكيل خارطة الوطن من جديد بعيدا عن لغة الدمار والتقسيم ليظل العراق حيا بنبض ابنائه الذين يرون في عيون بعضهم البعض فجر يوم جديد ينهض من بين الركام