الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
مراجعات في وداع عام مضى

بواسطة azzaman

مراجعات في وداع عام مضى

ابراهيم البهرزي

 

أنا أحبّ الموسيقى أولا. لا بوصفها فنًا يُناقَش، ولا خطابًا يُفكَّك، بل كملجأٍ خالص، كمساحةٍ لا يدخلها أحد سواي. حين أستمع، أريد أن أكون وحيدًا تمامًا، حتى من نفسي أحيانًا.  الغناء ليس رأيًا، ولا موقفًا، ولا بيانًا؛ هو ارتعاشة داخلية، لحظة صفاء نادرة، أعيشها كما تُعاش الصلاة: بلا شهود.

بعد الموسيقى يأتي الفن التشكيلي.

اللوحة لا تطالبني بالكلام، لا تُحرجني بسؤال: ماذا تقصد؟

أستغرق في اللون والفراغ والخط كما لو أنني أستعيد زمنًا سابقًا للغة، زمنًا لم تكن فيه الأشياء مضطرة لتبرير نفسها.  هنا تكون المتعة صافية، شبه أنانية، لكنها ضرورية. كأنني أقاوم رتابة الحياة بتأمل صامت، لا يطلب تصفيقًا ولا جدالا.

ثم السينما

فنّ الوقت الضائع الجميل. أستطيع أن أترك الساعات تتآكل وأنا أتابع فيلمًا تلو آخر، دون شعور بالذنب. السينما تمنحني وهم العيش المتعدد: حيوات لا تخصّني، لكنها تنقذني مؤقتًا من حياتي. وأنا هنا أيضًا متفرجٌ مثالي: مستسلِم، غير معنيّ بإثبات شيء لأحد.

وفي الأخير  يأتي الشعر والرواية

ربما لأنهما أكثر التصاقًا باللغة، وأكثر قابلية لسوء الفهم. أحبّهما، لكن بحذر. أعرف أن القراءة هنا ليست بريئة تمامًا، وأن الرأي يتربص بي خلف كل جملة. ومع ذلك، أعود إليهما حين أحتاج إلى معنى، لا إلى متعة خالصة. هذه هي تراتبية انشغالاتي الممتعة، أسلحتي الصغيرة في مواجهة الرتابة اليومية. لكنني، بين حينٍ وآخر، أخون هذه العزلة الجميلة. فأكتب.!

أُبدي رأيًا. أشارك تأملًا. وهنا تبدأ المشكلة. الرأي مهما كان ناعمًا هو فعلٌ اجتماعي. وما إن يخرج من عزلته حتى يُساء فهمه، أو يُحمَّل بما لم يقصده صاحبه.  كثيرًا ما وجدت نفسي في قلب سوء تفاهم، لا لأنني أردت استفزاز أحد، بل لأنني لم أستطع مقاومة إغراء القول.  وكأن الفن، الذي كان ملاذي، يتحول فجأة إلى ساحة نزاع.. أفكّر أحيانًا:

ماذا لو استسلمتُ للاستمتاع السلبي المحض؟

ماذا لو اكتفيتُ باللذة الصامتة، بلا نقد، بلا تدوين، وبلا تسجيل رأي ؟

ألن أكون أسعد؟ أقل صداعًا؟ أقل تورطًا في معارك لا طائل منها؟

لكن السؤال الأعمق يظل معلقًا:

هل الصمت خيانة لحرية التعبير؟

أم أن التعبير الدائم خيانة لحقّي في الاستمتاع الأناني؟  لفلاسفة لم يحسموا هذا التوتر.. نيتشه رأى في الفن خلاصًا فرديًا من ثقل الوجود، لا مشروعًا أخلاقيًا جماعيًا.  بينما حنّة آرنت كانت ترى أن الظهور في الفضاء العام بالكلام والرأي هو ما يمنح الإنسان معنى سياسيًا. وأنا، بين الاثنين، أتأرجح.

أعرف أن في داخلي رغبتين متناقضتين:

رغبة في أن أكون متفرجًا خالصًا، بلا صوت، ورغبة في أن أكون شاهدًا يقول: أنا هنا، وهذا ما شعرت به.

ربما ليست المسألة اختيارًا نهائيًا بين الصمت والكلام، بل وعيٌ بأن الاستمتاع بالفن يمكن أن يكون فعلًا أنانيًا مشروعًا، وبأن التعبير عن الرأي يجب أن يكون خيارًا لا التزامًا.. الفن لا يطلب منا دائمًا أن نتكلم. وأحيانًا، أصدق أشكال الحب هو أن نصغي … ثم نغادر بهدوء.

 


مشاهدات 38
الكاتب ابراهيم البهرزي
أضيف 2026/01/03 - 1:17 AM
آخر تحديث 2026/01/03 - 3:13 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 111 الشهر 1317 الكلي 13108740
الوقت الآن
السبت 2026/1/3 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير