الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
 قراءة في كتاب عرب الهور لولفريد ثيسغ


بين عين الرحّالة وضمير

 قراءة في كتاب عرب الهور لولفريد ثيسغ

 

محمد علي محيي الدين

 

صدر عن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق كتاب «عرب الهور» للرحّالة البريطاني ولفريد ثيسغر، بترجمة الدكتور سلمان كيوش، وهو كتاب يفتح نافذة واسعة على عالم الأهوار الجنوبية، ذلك الفضاء المائي الذي ظل قرونًا طويلة عصيًّا على التدوين، ومحصنًا بعزلته الطبيعية والاجتماعية.

غير أن مقدمة المترجم أوحت للقارئ بأن هذا العمل يُترجم إلى العربية لأول مرة، حين أشار إلى دهشته من غياب ترجمة عربية سابقة، قياسًا بكتب أخرى في أدب الرحلات عن العراق نُقلت إلى العربية قبله وبعده. وهذه الإشارة، على أهميتها، تحتاج إلى تدقيق؛ إذ إن الكتاب سبق أن تُرجم تحت عنوان «عرب الأهوار»، ونشرته دار الجمل عام 2005، ثم أعادت دار دجلة ناشرون وموزعون نشره سنة 2017 بترجمة الدكتور أحمد ضياء الدين الحيدري، فضلًا عن طبعات أخرى لاحقة صدرت عن دور نشر مختلفة.

موضوع اختلاف

ومن هنا، فإن الكتاب — من حيث المضمون — ليس جديدًا على المكتبة العربية، وكان الأجدر بالمترجم الإشارة إلى الترجمات السابقة، وبيان مواضع الاختلاف بينها وبين ترجمته، ما لم يكن النص المعتمد طبعة جديدة منقحة أو موسعة تختلف جوهريًا عن سابقاتها، وهو أمر مشروع ومطلوب إذا ما وُضح للقارئ بجلاء.

ولا شك أن اختلاف الترجمات أمر طبيعي، فلكل مترجم ذائقته وأدواته ورؤيته في نقل النص، سواء في اختيار المفردات أو بناء الجملة أو شرح السياقات الثقافية. وقد لجأ المترجم هنا إلى تغيير العنوان من «عرب الأهوار» إلى «عرب الهور»، وهو اختيار يثير التساؤل: هل هو العنوان الأصلي، أم اجتهاد لغوي رآه أدق أو أقرب إلى روح المكان؟ وهي مسألة كان يمكن حسمها بإيضاح بسيط في المقدمة.

كما يُلاحظ غياب بعض البيانات الببليوغرافية الأساسية، مثل مكان صدور الطبعة الأصلية وسنة نشرها، علمًا أن الكتاب صدر بالإنجليزية عام 1964، وترجم لاحقًا إلى لغات عدة، فضلًا عن غياب ترجمة تعريفية وافية بالمؤلف، وهي من الضرورات المنهجية في هذا النوع من الأعمال.

ومع ذلك، فإن الترجمة جاءت أمينة في جوهرها، قريبة من روح النص، مدعومة بهوامش تفسيرية مفيدة، أسهمت في تقريب العادات والمصطلحات والسياقات الاجتماعية من القارئ العربي، ورفدت النص بما يعين على فهمه دون إثقال.

ولفريد ثيسغر (1910–2003) ليس مجرد رحّالة عابر، بل هو دبلوماسي ومستكشف ومؤرخ ومصور، تخرّج في جامعة أكسفورد، وجاب مناطق واسعة من العالم العربي والإسلامي، من عمان وحضرموت واليمن إلى العراق وإيران وباكستان وغرب أفريقيا. عبر صحراء الربع الخالي مرتين، ووثق حياة البدو بدقة لافتة، مسجلًا أسماء القبائل وأنسابها وعلاقاتها.

وقد أقام ثيسغر في أهوار جنوب العراق ما بين أواخر عام 1951 وحتى حزيران 1958، أي نحو سبع سنوات كاملة، عاش خلالها بين القرى المعزولة، وشارك الناس تفاصيل حياتهم اليومية، وهي مدة كافية لأن يتحول الرصد إلى معرفة عميقة، والمعايشة إلى شهادة شبه أنثروبولوجية.

في كتابه، يغوص ثيسغر في تفاصيل الحياة اليومية لعرب الأهوار، متنقلًا بين القرى، مراقبًا الحركة والسكون، مسجلًا المألوف والاستثنائي، ليقدّم صورة حية عن مجتمع نشأ على الماء، وشيد وجوده فوق القصب والطين. وهو — من حيث لا يقصد — يعيد وصل الحاضر بجذوره السحيقة، إذ يرى في هذا المكان الامتداد الحي للحضارات الأولى التي ازدهرت هنا، من سومر وأكد إلى أور والوركاء وميسان، حيث تعلّم الإنسان التحكم بالفيضانات، وتدجين الحيوان، وبناء المدن، وابتكار الكتابة، وصياغة الأساطير الكبرى مثل ملحمة جلجامش وأسطورة الطوفان.

يصف ثيسغر مجتمع الأهوار بوصفه عالمًا متباين الطبقات: شيوخ، وسادة، وعبيد، وعشائر متجاورة مثل الفرطوس وآل عيسى وبني لام والبو محمد والسواعد والبهادل وبني مالك، وقد سبر أنماط عيشهم، ووقف على علاقاتهم الاجتماعية والاقتصادية.

ولا يخلو الكتاب من قيمة علمية، وإن كانت بعض موضوعاته قد تناولتها دراسات أنثروبولوجية متخصصة في الفترة نفسها، مثل أطروحة الدكتور شاكر مصطفى سليم عن الجبايش، المقدمة إلى جامعة لندن عام 1955. إلا أن ميزة ثيسغر تكمن في سلاسة السرد، وثراء المشاهدة المباشرة، وابتعاده عن جفاف البحث الأكاديمي.

وعلى الرغم من نفي المؤلف عن كتابه صفة «أدب الرحلات»، فإن النص حافل بروح الرحلة، من تنقل قرية إلى أخرى، وتدوين أسماء الأنهار والبحيرات، إلى تسجيل العادات والتقاليد، وأساليب التفكير، ومكانة المرأة، وأنماط التواصل، والصعوبات اليومية التي يواجهها سكان هذا العالم الهش.

ومن أكثر ما يلفت النظر في الكتاب تنبؤ ثيسغر المبكر بإمكانية تجفيف الأهوار، لا بوصفه حدثًا طبيعيًا، بل قرارًا سياسيًا، وكأنما كان يستشرف ما سيقع بعد عقود، مستندًا إلى معطيات سمعها أو قرأها في كواليس السياسة.

ويرى ثيسغر أن بيوت القصب التي يسكنها أهل الأهوار اليوم سبقت قصور أور، وأن القوارب التي يصنعونها تشبه تمامًا ما عُثر عليه في اللقى السومرية، بما يوحي باستمرارية حضارية نادرة لم تنقطع منذ آلاف السنين.ويبدأ سرده من مدينة العمارة، حيث استقل قاربًا إلى مضيف الشيخ فالح بن الشيخ مجيد الخليفة، ويفصل في وصف المضيف، وطقوس القهوة، وحفاوة الاستقبال، ليمنح القارئ مشهدًا حيًا نابضًا بالضيافة العربية وأعرافها الراسخة.

مؤسسة اجتماعية

كما يوضح أن المضيف ليس بيتًا للضيافة فحسب، بل مؤسسة اجتماعية تُدار فيها شؤون القبيلة، وتُحل النزاعات، وتُصاغ القرارات.  ويتوقف عند البعد الديني والثقافي للأسماء، وخصوصية لقب «السيد» في الأهوار، مشيرًا إلى قداسة بعض المضائف التي تضاهي المساجد، وإلى انتشار السادة في قرى الجنوب. كما يسجل أسماء غريبة تُطلق على الأطفال اتقاءً للحسد، وعادات تقسيم العمل بين الرجال والنساء، وممارسات مثل «الفصلية» في فض النزاعات، دون أن يغفل عن الإشارة إلى اضطراره أحيانًا للقيام بدور الطبيب، ختانًا وتطبيبًا، اتقاءً للريبة.

وفي المحصلة، يقدّم الكتاب وثيقة إنسانية وتاريخية بالغة الأهمية عن عالم يكاد يختفي، وقد جاءت هذه الترجمة أنيقة الإخراج، واضحة التبويب، سلسة اللغة، أسهمت في جعل النص قريبًا من القارئ، منسجمًا في إيقاعه، ومغريًا بالمتابعة حتى الصفحة الأخيرة، رغم الملاحظات المنهجية التي لا تنتقص من الجهد الكبير المبذول فيها.

 


مشاهدات 32
الكاتب محمد علي محيي الدين
أضيف 2026/01/03 - 1:09 AM
آخر تحديث 2026/01/03 - 2:52 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 104 الشهر 1310 الكلي 13108733
الوقت الآن
السبت 2026/1/3 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير