الشمس اروع فيديوان السياب من سواها
الظلام أجمل فهو يحتضن العراق
حسن الحيدري
اثار اللقاء المتلفز للروائية بلقيس شرارة الجدل موخرا بين عائلة الجادرجي وابنة الشاعر بدر شاكر السياب فضلا عن متذوقي الشعر الحر من النخب الثقافية حيث ادى فتح ملف وسامة السياب وشخصيته ليتجاوز الأشخاص الى سوال اعمق كيف نقرا شخصية الشاعر وهل يجوز اختزال التجربة الابداعية في انطباعات نفسية او ملاحظات شكلية
التصريحات التي عبرت عنها الكاتبة بلقيس شرارة بوصفها السياب بانه كان ضعيف الشخصية وشكل اذنيه كبيرتين الا انها اردفت عبقريته الشعرية الواضحة كوضوح الشمس بلا غربال هنا تطرح اشكالية شائعة في تلقي الشعر الحديث و الخلط بين الهشاشة الانسانية والضعف الوجودي
عرف السياب متاثرا بمرضه والمرض ليس معيارا للحكم الجمالي ففي تاريخ الفكر والابداع لا يشكل المرض معيارا للحكم على القدرة بل غالبا ما يكون سياقا كاشفا لها
ستيفن هوكينغ مثال معاصر صارخ جسده كان مقيدا بالكامل تقريبا لكن عقله ظل من اكثر العقول تحليقا في فهم الكون هذه المقارنة لا تهدف الى التسوية بين العلم والشعر بل الى الاشارة الى حقيقة واحدة
حيث القيمة لا تقاس بالجسد بل بما ينتجه الوعي داخله
السياب الذي عانى مرضا عصبيا عضليا قاسيا في سنواته الأخيرة لم يتحول الى شاعر انكسار بل الى شاعر كثافة قصيدته ازدادت عمقا وقلقا واتصالا بالاسطورة والوجدان الجمعي وكان الجسد كلما ضاق اتسعت اللغة
ضعف الشخصية اذا ما قرئت لطائر الجنوب من زوايا الفقر واليتم المبكر والاضطراب السياسي والمرض غير ان هذا الوصف يغفل ان الحساسية المفرطة ليست نقيض القوة بل احد اشكالها النادرة
ساهم السياب في تأسيس الشعر الحر وكسر العمود الخليلي دون قطيعة مع التراث
وادخل الاسطورة الى القصيدة العربية بوصفها اداة وعي لا ترفا ثقافيا
يرى متذوقي اشعاره ان لا يمكن اختزاله في توصيف نفسي عابر ما يسمى ضعفا في الشخصية بل هو في الحقيقة قدرة عالية على الالتقاط والتاثر والبوح وهي شروط اساسية في التجربة الشعرية الحديثة
فالفقر والمرض سياق انتاج لا ذريعة تبرير انبثقت منها عبقرية شعرية لم تذق شعور الترف بالمرة ولا وجبات الطعام الدسمة
صورة وطنية
لم تكن معاناة السياب ذريعة شعرية بل مادة خام اعاد تشكيلها فنيا في انشودة المطر وغريب على الخليج لا نجدفيها شكوى فردية بل تحويل الالم الشخصي الى صورة وطنية ووجودية الذات عند طائر الجنوب ليست معزولة بل جزء من مصير جماعي
كما حول هوكينغ الجسد المقعد الى عقل كوني حول السياب الجسد العليل الى لغة مشحونة بالحياة ولعطب جسدي مقابل طاقة رمزية فائضة
مفارقة القوة في الشعر الحر
بطبيعته لا ينتج اصواتا صلبة من الخارج بل تصواتا متوترة من الداخل من يمتلك الجراة على كشف هشاشته وكسر الصمت والكتابة بلا اقنعة لا يكون ضعيفا بل شجاعا وجوديا
الضعف الحقيقي ليس في الاعتراف بالالم بل في العجز عن تحويله الى معنى بين بدر شاكر السياب وستيفن هوكينغ خيط انساني واضح كلاهما اثبت ان الجسد والوسامة ليستا معيار للقيمة وان المرض لا ينتقص من القدرة بل قد يكشف عن اقصى طاقاتها حتى تؤرخ وتدرس فيض ابياته لاجيال مستقبلية السياب في جوهره ليس شاعر ضعف رغم فقره ومرضه قبل الثورة العلاجية الحالية بل شاعر تحويل الالم الى لغة والهشاشة الى رؤية والسيرة القاسية الى واحدة من اهم لحظات الشعر العربي الحديث
وهذا عند متذوقي الشعر الحر هو تعريف القوة الإبداعية لابحجم الاذنين ووسامة المبدعين