الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
تل أبو عنتيك (مدينة بيكاسي)

بواسطة azzaman

تل أبو عنتيك (مدينة بيكاسي)

منتصر صباح الحسناوي

 

كان الحصارُ الاقتصادي على أشدّه، وبعد أن جفّت الأهوار ومنها هور ابن نجم المحاذي لأراضينا (آل شمخي) في ناحية الحرية ضمن محافظة النجف، راحت تصلنا أخبارٌ متكررة عن ظهور آثارٍ في أثناء شقّ القنوات المائية.

كان الناس يتحدثون عن فخارياتٍ تخرج مع التراب، ورُقمٍ طينيةٍ تظهر من قلب الأرض، حتى صار اسم “أبو عنتيك” يتردّد في المجالس والأسواق. لا أحد يعرف من هو “أبو عنتيك”، وغالباً ما كان الأمر يرتبط بأسماء الجن أو المدن القديمة كما كان يُروى عن ظهورها للبعض في تلك المنطقة.

بدأ المكان أشبه بحكايةٍ متوارثة، أرضٌ تختزن في باطنها سرّاً لا يبوح به إلا لمن يقترب أكثر.

لكن التفسير العلمي الاقرب انه جاء من كلمة “عنتيك” / أنتيك  أقرب إلى كلمة Antique بالإنكليزية (بمعنى: قديم أو أثري)

يقع تل أبو عنتيك في ناحية المهناوية التابعة لقضاء الشامية بمحافظة الديوانية ، على تخوم المثلث الذي يربط الديوانية بالنجف وبابل.

وعلى مسافة يسيرة من تل أبو عنتيك هناك تلان يعرف الأول باسم (زغيتان) وهو إلى الجنوب الغربي منه، فيما يعرف الثاني باسم (جغيمان) في الشمال الغربي ضمن ناحية الحرية.

الأرض هنا منبسطةٌ، تحيط بها مزارع الشلب ومجاري مياهٍ قديمة، وتجاورها بقايا هور الدخن (ابن نجم) التي شكّلت عبر آلاف السنين خزّان حياةٍ للناس والزرع. وسط هذه السهول الرسوبية يرتفع التل بارتفاعٍ بسيط مثل جزيرةٍ ترابية، يحمل في طبقاته رواسب حضاراتٍ متعاقبة. المشهد العام يوحي بأن المكان لم يكن هامشياً، بقدر ما كان مركزاً يربط بين طرق التجارة والزراعة والإدارة.

ما كشفته التنقيبات

عندما دخلت بعثة الآثار العراقية الموقع بين عامي 1999 و2002، كشفت النصوص المسمارية من التل عن اسمٍ قديم له هو “بيكاسي”، وأنّ الموقع كان مدينةً معروفة في العصر البابلي القديم (حوالي 2000–1600 ق.م). وقد تبيّن من خلال النصوص أن المدينة كانت معاصرةً لثلاثة ملوك بارزين من سلالة بابل: حمورابي، سامسو-إيلونا، وأبي-إيشوخ.

كما تبيّن حجم ما يختزنه التل من الآثار، إذ خرجت إلى الضوء أكثر من ألفي رقيمٍ طينيّ، معظمها عقود اقتصادية، وبعضها مراسلات إدارية، وأخرى أوامر تتعلق بالضرائب وتنظيم الموارد. فضلاً عن العثور على أختامٍ إسطوانية منقوشة تحمل مشاهد دينية ورموزاً أسطورية، تُظهر ملامح الفن البابلي وتقاليد الطقوس.

العقود المدوّنة على الألواح مثّلت جزءاً من أعراف سياسية–قانونية نظّمت العلاقات بين الممالك والمدن البابلية، إذ تحدّثت عن إيجار حقول الشعير والسمسم، وعن بساتين النخيل، وعن مقادير المحاصيل التي تُسلَّم إلى خزائن الدولة.

في كل لوحٍ طينيّ يظهر توقيع موظفٍ أو شاهد، ما يؤكد أنّ الكتابة كانت وسيلةً يومية لتنظيم شؤون الأرض والناس وحفظ الحقوق.

هذه التفاصيل الصغيرة تعيد إلينا صورة مجتمعٍ يعرف القانون، ويصون حقوق المزارع والتاجر والمسؤول على حد سواء.

لقد تحوّل الموقع من اسمٍ يتردّد في الأحاديث الشعبية إلى مرجعٍ علميّ يدرسه الباحثون بدقة، وأصبحت مكتشفاته مادةً لرسائل ماجستير وأطاريح دكتوراه في جامعات بغداد والقادسية والموصل.

الموقع والذاكرة

الهور القريب الذي جفّ في العقود الأخيرة كان امتداداً طبيعياً لبيئةٍ عاشت فيها أجيالٌ من الصيادين والمزارعين، أما التل فهو شاهدٌ على هذا التداخل بين اليابسة والماء، بين الحقول والأنهار، بين الماضي والحاضر.

اللافت أن الموقع لم يُدرج في سجلات الآثار لعقودٍ طويلة لأنه كان واقعاً داخل الأراضي المغمورة بمياه هور ابن نجم. وهذه الحقيقة تفتح نافذةً للمقارنة مع تحولات البيئة العراقية الحديثة، إذ تكشف كيف يمكن للماء أن يخفي مدناً كاملة ثم يعيدها إلى الضوء حين يتراجع، تماماً كما فعل الجفاف الذي أزاح الستار عن هذا الموضع. في هذه الصورة، يصبح التل رمزاً للذاكرة البيئية والثقافية معاً، وجسراً يربط بين التاريخ الطبيعي والتاريخ الإنساني.

تل أبو عنتيك، أو مدينة بيكاسي، هو صفحة من كتاب العراق الكبير، بحاجةٍ إلى رعاية ودراساتٍ أوسع، ففي زمنٍ نبحث فيه عن جذور الانتماء، يقدّم لنا هذا التل درساً في الصبر والبقاء، إذ ظلّ صامتاً طويلاً قبل أن يكشف بعضاً من مكنوناته، ولا يزال في داخله ما ينتظر من يكشفه.

إنّ إعادة التنقيب فيه وتسجيله رسمياً في المشاريع القادمة للهيئة العامة للآثار والتراث، قد تضيء فصلاً جديداً من تاريخ بابل القديمة وتضيف لبنةً أخرى في بناء الهوية العراقية.

 


مشاهدات 256
الكاتب منتصر صباح الحسناوي
أضيف 2025/08/30 - 3:17 PM
آخر تحديث 2025/08/31 - 1:30 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 405 الشهر 22469 الكلي 11417555
الوقت الآن
الأحد 2025/8/31 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير