الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
وجهة نظر

بواسطة azzaman

وجهة نظر

محمد زكي ابراهيم

 

إن المرء ليعجب كيف يتكيف الناس لظواهر طارئة بين الحين والحين، ولا يجدون في ذلك غضاضة أو إثماً، وكيف يغيرون ميولهم بين آونة وأخرى، ولا يرون في الأمر جريرة أو بأساً، وكأن من طبيعة الفكر البشري الحركة الدائمة وعدم الثبات. وكانت التحولات في اتجاهات الرأي العام العربي خلال القرن الماضي تثير الدهشة، ففي كل مرحلة كانت هناك فكرة مغايرة لما قبلها، ولم يشعر أصحابها أنهم تراجعوا عن معتقداتهم في يوم من الأيام. وكان حلم مثل الوحدة الشغل الشاغل للأحزاب العربية في منتصف القرن الماضي، وكانت الحكومات تقوم أو تسقط بناءً على موقفها منها، بل باتت الدليل على وطنية البعض أو عمالته. لكنها لم تكن كذلك في بداية القرن، ولم تثر سوى مشاعر الإحباط وعدم الرضا لدى النخبة، ولم يقابلها الرموز الكبار إلا بالإعراض، وخصوصاً في بلد حمل راية القومية فيما بعد، اسمه مصر! وكان قادة الرأي في هذا البلد يستهجنون فكرة العروبة، ويرون أنها غير جديرة بالاعتبار، فقد نقل عن الثائر المصري الكبير أحمد عرابي مثلاً أن العروبة تهمة ظالمة يحاول أعداؤه إلصاقها به، وحرص على التأكيد أنه بريء منها ولا صلة له بها على الإطلاق، وذهب إلى القول في رسالة بعث بها إلى الكاتب المعروف جرجي زيدان إنه لم يخطر بباله تأليف دولة عربية كما أرجف المرجفون، لأنه يرى في ذلك (ضياعاً للإسلام عن بكرة أبيه، وخروجاً عن طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وآله). وقد تنامت فكرة الانعزال هذه في مصر حتى تجسدت بشكل تجمع أطلق عليه (حزب الأمة) يقوده أحمد لطفي السيد، يقطع الصلة بأي رابطة تجمعه بالعروبة والعرب، ويرى أن (انتساب المصري للعربية يدل على احتقاره لوطنه وقومه). أما عميد الأدب العربي طه حسين فكان يقول إن من المفيد أن يكون هناك تعاون اقتصادي أو حتى تحالف عسكري بين العرب، لكنه لا يرضى بوحدة سياسية، سواء أكانت بشكل إمبراطورية جامعة أو اتحاد مشابه لما في أميركا أو سويسرا، فالفرعونية متأصلة في نفوس المصريين، وإنها ستبقى كذلك، بل يجب أن تبقى وتقوى!. وقال آخرون إن فكرة الوحدة العربية خلقت لمحاربة الوحدة الإسلامية، وإنها الوسيلة المثلى لانفراط عقد الدولة العثمانية التي كانت تعاني من اجتماع الأوروبيين عليها. وشاع حينها مفهوم (الجامعة الإسلامية) الذي دافع عنه بحرارة الأفغاني وتلميذه محمد عبده. ولم يكن النهضويون العرب من دعاة الاستقلال التام عن الدولة العثمانية، فأقصى ما كانوا يطلبونه هو الحكم الذاتي. بل إن الاتفاقية التي وقعها عبد الكريم الخليل (رئيس المنتدى العربي) مع طلعت باشا أحد أركان الحكومة العثمانية أكدت على هذا الموضوع، وأقرت تعريب التعليم في بلاد المشرق العربي في المرحلتين الابتدائية والثانوية، ورؤساء الدوائر الإدارية الثانوية من أبناء المناطق العربية، أما الولاة فمن اختصاص الدولة المركزية. وفيما بعد أصبحت مصر الداعية الأكبر للوحدة العربية، وأخذ القوميون العرب يتقاطرون عليها من كل حدب وصوب، وقد نجحت في الاندماج مع دولة عربية أخرى ثلاث سنوات ونصفاً.

ومن يقرأ تاريخ عقدي الخمسينات والستينات خصوصاً يفاجأ أن مصر هي داعية الوحدة العربية وبؤرة العمل القومي، وكانت داعمة الاتجاهات العروبية في كل مكان.، فلما انقضى هذان العقدان حدث ما لم يكن في الحسبان، وبدأت مصر تتنصل من هذه الروح شيئاً فشيئاً، وتتراجع عن الدعوة إلى الوحدة أو التبشير بها كما كانت تفعل من قبل، وحذت حذوها الدول العربية الأخرى في المشرق والمغرب على حد سواء. فهل سيأتي اليوم الذي تنبعث فيه هذه الفكرة من جديد؟ بالنسبة لي لا أستبعد هذا أبداً.


مشاهدات 66
الكاتب محمد زكي ابراهيم
أضيف 2025/08/30 - 12:57 AM
آخر تحديث 2025/08/30 - 3:17 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 163 الشهر 21440 الكلي 11416526
الوقت الآن
السبت 2025/8/30 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير