فردوس إسماعيل تنطلق مع الموروث الجمالي البيئي : أعمالي رصيد من التفكير والتجريب المتواصل
بغداد - عادل الميالي
التشكيلية فردوس إسماعيل من جيل الفنانات العراقيات الساعيات إلى استلهام معطيات التراث العراقي والإسلامي لانجاز أعمال فنية تجمع بين الأصالة والمعاصرة, إذ استطاعت عبر أعمالها تحقيق قدراً من التميز عبر سعيها إلى صياغة خطاب بصري يستند إلى الموروث العراقي والإسلامي, معبرة بذلك عن رؤاها التشكيلية ووعيها الشديد بمتطلبات اللوحة الفنية .
تجربتها تنطلق من الموروث الجمالي البيئي، إذ استطاعت عبر المفردات الجمالية التي أنتجتها تلك البيئة، ان تعيد صياغتها في سياق موسيقي أكثر تناغماَ وأكثر بهجة، بحيث تبدو تلك التوليفات الجمالية معزوفات بصرية تستهدف إشباع الحاجة الجمالية والروحية للمتلقي .
شهدت تجربة الفنانة فردوس تحولات عديدة , حيث بدأت برسم القبة والهلال وكل ما يتعلق بالموروث الإسلامي, ومن ثم تحولت إلى المفردات المحلية الشعبية, فكانت بيئة الأهوار حاضرة في معظم لوحاتها .وهي عبر تجربتها التي تمتاز بالتلقائية والبساطة، تحاول استحضار وإعادة إنتاج موروثها البصري المحمل بدلالات ورموز تشكلت عبر التاريخ الطويل.
في هذه المساحة نسلط الضوء على تجربة الفنانة فردوس فكان هذا الحوار :
□ بداية ، ما الذي يمثله لك الفن ؟
هو ذلك الهاجس نحو الخلق والإبداع، إنه ذلك المتنفس الذي أستطيع من خلاله تجسيد أفكاري وإحساسي بالوجود وإخراجه في شكل عمل محسوس بلغة بصرية معاصرة أستطيع من خلالها التواصل مع الآخر، فالفن في شكله ومضمونه يمثل لي الإنسانية والجمال والطبيعة .
□ ما الخطاب الفني الذي تودين الإفصاح عنه ؟
انه عالم متخيل يفتح لي منافذ أجتازها واحداً تلو الآخر سارحةً حالمةً بعالم متمنيّ أحاول أن أجد فيه جمال الخالق والخلق، فهو عالم واقعي وحقيقي أتلمس فيه جوانب ومواطن الجمال والرموز التي تؤلف هذا المحيط الذي نسكن ونحيا ونتعايش فيه ومعه, لذا فخطابي الفني تعبير عن البيئة الشرقية بصورة عامة والعراقية بصورة خاصة لما تحتويه من مواطن للجمال في البناء وعلى المستويات الشعبية والدينية ، ومن رموز وإشارات فنية ذات معاني سماوية وإنسانية وجمالية عظيمة .
□ وماذا عن المرجعيات التي ساهمت في بلورة تكوينك الفني ؟
الفنان قبل أن يكون فناناً، هو إنسان يعيش ضمن محيط اجتماعي تفاعلي تحركه وتسيره تقاليد وأعراف وحواس وهواجس، هذه المدركات تكون هي أول المرجعيات المعرفية التي تمهد لما يليها من مرجعيات أخرى متمثلةً بالدراسة المتسلسلة الطبيعية من ناحية ومن ناحية أخرى الأساتذة والمدارس الفنية، بالإضافة إلى الإنسان ذاته كونه أصغر وأكبر مدرسة مرجعية فكرية .
□ من أين تبدأ اللوحة عندك ؟
بداية اللوحة عندي هي بقلق إبداعي يحاصر الروح .. تنمو تفصيلاته وتنضج في الطقس الفكري اليومي للعمل الفني الذي أعيشه في البيت والمستند إلى الإيمان بروعة الموروث الحضاري العراقي والعربي والإسلامي، والانصهار والافتتان المشترك بكل ما هو جميل وراق وأصيل .
توظيف الموروث
□ غالبية أعمالك تعتمد على توظيف الموروث العراقي والإسلامي، فما قولك في ذلك ؟
لعل أول انطباع يتبادر إلى ذهن الشخص الغربي عن الشرق، هو ذلك السحر من الألوان المشرقة والشمس الحارقة والمآذن والقباب وألف ليلة وليلة، إذ يصوغ بشأن الشرق القصص والروايات المتخيلة الساحرة والجميلة مكوناً عملاً فنياً جميلاً في مخيلته, فكيف لي أن لا أشير إلى موطني ومحيطي ومعتقدي بل إلى ذاتي ، هذا بالإضافة الى جمال وسحر وقدسية تلك الرموز والدلالات، وما لها من وقع على النفوس والمشاعر، ومن هنا فان ما يميز أعمالي هو الطابع المحلي والشرقي والإسلامي الواضح من خلال اللون والشكل وكذلك المفردات والرموز التي يبنى بها العمل .
□ وماذا عن توظيف الحرف العربي في بناء لوحتك ؟
يعد الحرف العربي من أفضل التصاميم وأغناها وأقدمها، لذلك لابد لنا من استلهامه وصياغته كمفردة جمالية تشكيلية تتسم بالحركة والإيقاع، كما إن لكل حرف عربي شخصية هندسية وجمالية مستقلة تمتلك تنظيماً تشكيلياً معبراً، وهذه الشخصية تساعد على صنع صورة كاملة تعطي معنى خاصاً أو فكرة، وبهذا تحول الحرف العربي إلى صورة متحركة معبرة عن الفكر ومصدر للإلهام, كذلك يتفرد الحرف العربي عن خطوط العالم لكونه يتمتع بصفة جمالية فنية راقية، فهو يعتبر أحد الفنون الجميلة، ذلك انه يجمع بين جمال الشكل والتأثير الفني، وبخاصية تجعل منه عنصراً زخرفياً يحقق الأهداف الفنية, وقد أتضح لي من خلال عملي أن في الحروف إمكانيات تأثير كبير على المتلقين، بحيث تجعلهم ينظرون إليها على إنها صور تتضمن معاني وأفكاراً وقيم جذب جمالية لا مجرد خطوط ملونة .
□ معظم لوحاتك تفصح عن ثنائية متلازمة تجمع بين التراث والمعاصرة ، فما قولك في ذلك ؟
لم يبلغ الفن التشكيلي العراقي المستوى الذي بلغه لو لم يتخذ من التراث مادته الفكرية، ولفقد هويته المحلية وانجرف في التيارات الفنية الغربية, لذا كانت العودة إلى التراث والاستلهام منه ، هي من صنع للعراق فنه ومنحه الهوية الشخصية الفنية المرموقة بين شعوب الأرض, وعن أعمالي فهي رصيد من التفكير والتجريب المتواصل لمشاهدات مستغرقة ومتفاعلة مع مفردات وتراث شعب يستند إلى خزين حضاري وثقافي لا ينضب، وفضاء ممتد لتوليد الصور المبدعة الصادقة في طرحها لقضايا إنسانية وذاتية بالمعنى الأشمل، وهكذا تصبح تلك الأعمال امتداداً جمالياً لمحيطنا البيئي ولذاكرتنا الجمعية، وفق منهجية ملتزمة تسعى لدمج مظاهر مفردات التراث العربي الحضاري ومضامينها مع مفردات الحداثة والمعاصرة .
□ برأيك، اللوحة شكل أم مضمون ؟
اللوحة هي شكل ومضمون ، إذ لا يمكن أن أهمل أو أغض النظر عن الأولى أو الثانية، فأنا أحاول دائماً وبشكل جاد أن أجمع بين الاثنين لكي أصل إلى العمل أو التكوين الأكثر تكاملاً وتوازناً حتى يؤدي الغرض المطلوب, فالفن هو ليس مجرد حامل لمضامين تعبيرية خيرية فحسب، ولا هو مجرد تراكيب شكلية خالصة بلا معنى، وإنما هو رؤية ورأي يتوافق فيهما عمق المضمون مع بلاغة الشكل، توافقاً حميماً، لا سبيل فيه للفصل بين كليهما, أي أن الفن كل متكامل يتعذر اشتقاق خصائصه وسماته وعناصره كل على حدة، وإنما تذوب جميعاً في بيئة جديدة تنتظم فيها العناصر في وحدة عضوية واحدة، فلا نستطيع فصل الشكل وتقنياته وصياغته، عن المضمون والتعبير، وإنما معا يشكلان بنية متفاعلة العناصر وليس مجرد أجزاء.
□ ماذا عن دلالات توظيف اللون في لوحاتك ؟
الألوان هي جزء حيوي في التكوين الإنشائي للعمل الفني، لذا فللمساحة اللونية دلالة تعبيرية تحتوي على مغزى روحاني وجمالي، ولها وقعٌ كبير على نفس ونظر المتلقي، فنراها تأسر المشاهد وتأخذه إلى مدركات حسية كامنة في ذاكرته التي يختزنها ومواقف في حياته (الشباب والطفولة) أو مواقف عاشها مع ما يحيطه في البيت أو الشارع, وبما أن اغلب أعمالي الفنية هي من واقعي اليومي المعاش، لذلك فان الواني هي مستمدة من هذا الواقع الذي يحتوي على كمٍ من الألوان الجميلة والمشرقة والمعبرة .
□ كيف تقرأين ذاتك من خلال اللوحة ؟
التجسيد في الخطاب المرئي هو من الواقع الذي أعيشه يومياً من خلال تجوال النظر والروح في أزقة وشوارع وفضاءات بغداد، وفضاءات ذاتي المحلقة فوق تلك القباب والمساكن والأنهار، فحينما أجسد كل هذا أجد نفسي وذاتي داخل ذلك الخطاب.
□ هناك محاولات من بعض الفنانين لفك الارتباط بالهوية من خلال طرح النموذج الغربي والمعتقدات الفنية الوافدة في عصر العولمة، فماذا ترين في ذلك ؟
المنجز الفني هو تحليل لذات الفنان ورؤاه الجمالية والفكرية، لذلك ليس من الضروري اللجوء إلى موضوعات أو ترجمة أساليب غربية دون تفكر أو الأخذ في الحسابات بنص وإيقاع الواقع وذوقه وحجم استيعابه، ومع هذا لا بأس أن يتأثر الفنان بأساليب عقلانية من شأنها أن تعينه كاستعارة في حل مشكلته الفنية وتقنيات وحرفيات العمل، وبالرغم من إن الفن هو لغة عالمية، ولكن ينبغي للفنان أن يعالج موضوعات محلية، وان يستعير وحدات ورموز وأشكال بيئته، منطلقاً من قضية جوهرية وهي أن العالمية أساساً تنطلق من المحلية .
-فردوس إسماعيل ، كيف تنظر لمستقبل الفن ؟
الفن ترجمة للواقع المعاش، لذا هو متغير مع تغير الحياة، ومستقبله هو مستقبل حياة الإنسان وتطورها بكل تأكيد .