بلد الحزن الجميل والفرح المؤجَّل
سعد محمد الكعبي
تفتح عينيك في بغداد فتسمع صوت النهر قبل أن تراه كأنّ دجلة لم يعد مجرّد نهر، بل ذاكرة تسير على مهل. في هذا البلد كل شيء يُكتَب بالحزن الأغاني، الجداريات حتى ابتسامات الأطفال في المدارس تبدو وكأنها استراحة قصيرة من الدموع. العراق لا يحتاج إلى تعريف جغرافي.هو الأرض التي علّمت الطين كيف يصير حضارة وعلمت الحزن كيف يصير شعرًا.
من سومر إلى الكاظمية، من أور إلى شارع المتنبي البلاد تمشي بثقل الماضي وتتنفّس بأمل خافت يشبه بخور المساجد القديمة. في العراق، الفرح لا يُنكر، لكنه دائمًا يأتي متأخرًا يولد مبتورًا أو يُغتال في الزحام تنتظره المدن كل جمعة لكن شيئًا ما يمنعه دائمًا من الوصول في الوقت المناسب.
الحروب هنا لم تكن فقط بالرصاص ,كانت بالنسيان وبالهجرة، وبالموت البطيء تحت عناوين يومية, انقطاع الكهرباء, نزوح, طائفية، فساد. لكن رغم كل هذا، حين تقول أنا عراقي تشعر أن قلبك ينتفض كما لو أن الحنين وطنٌ آخر داخلك لم يُحتل بعد نساء العراق يُجدن البكاء النبيل لا على الرجال فقط، بل على الأوطان المكسورة ورجاله يكتبون الشعر كأنهم يُشيّعون الورد إلى قبره الأخير
ومع كل صباح، يولد حلم جديد من بين ركام الأمس طفل يكتب اسمه في دفتر نظيف، شابّ يغني رغم انطفاء الكهرباء، فنان يرسم وجوه المفقودين على الجدران، وكأن الجدران هي آخر ما تبقّى من الذاكرة. العراق لا يموت
يمرض كثيرًا، يتعثر كثيرًا، لكنه يعرف دائمًا كيف ينهض,
هو ليس بلدًا فقط، بل اختبارٌ دائم للقدرة على الأمل وسط الرماد
هو الحزن الجميل... والفرح المؤجَّل.