الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حقوق الوالدين ومستقبل الأبناء.. صراع حضانة الأطفال بعد الطلاق

← بواسطة azzaman

حقوق الوالدين ومستقبل الأبناء.. صراع حضانة الأطفال بعد الطلاق

أمال مرزة الياسري

 

يُعدّ انفصال الزوجين من أصعب التحولات التي قد تواجه الأسرة، لكن تبعاته لا تتوقف عند حدود العلاقة بين الزوج والزوجة، بل تمتد لتطال الأطفال الذين يجدون أنفسهم أمام واقع جديد لم يختاروه، وقد لا يمتلكون القدرة النفسية على فهمه أو التكيف معه. وهنا تبرز قضية حضانة الأطفال بوصفها واحدة من أكثر القضايا حساسية، لما تثيره من تساؤلات حول أحقية الأم أو الأب في الحضانة، وحدود مسؤولية كل منهما تجاه أبنائه بعد الانفصال.

من الناحية الشرعية والقانونية، تُمنح الأم أولوية الحضانة في المراحل الأولى من عمر الطفل، لما تحتاجه هذه المرحلة من رعاية واهتمام وعناية عاطفية وجسدية، لكن ذلك لا يعني أن الأب يفقد حقه أو دوره في حياة أبنائه. فالأبوة والأمومة مسؤوليتان لا تنتهيان بالطلاق، ولا ينبغي أن تتحولا إلى وسيلة للتنازع أو الانتقام. كما أن تحديد الحضانة يجب أن ينطلق من مصلحة الطفل وظروفه واحتياجاته، لا من رغبة أحد الوالدين في الانتصار على الآخر.

مراعاة التعديلات القانونية

وفي العراق، تنظم المادة (57) من قانون الأحوال الشخصية أحكام الحضانة، مع ضرورة مراعاة التعديلات القانونية النافذة والظروف التي تنظر فيها المحكمة، إذ لا ينبغي التعامل مع الحضانة باعتبارها امتيازاً شخصياً للأم أو الأب، وإنما مسؤولية تتصل بحماية المحضون وتوفير البيئة المناسبة لنشأته.

لكن السؤال الأهم الذي ينبغي أن نتوقف عنده هو: ماذا يحدث للطفل عندما يتحول الطلاق إلى معركة بين الوالدين؟

إن الطفل هو الأكثر تعرضاً للضرر، لأنه لا يملك قرار الانفصال، ولا يستطيع اختيار الظروف التي يعيش فيها بعده. فقد يجد نفسه بعيداً عن أحد والديه، أو مضطراً إلى الانتقال بين منزلين، أو شاهداً على خلافات ومشاحنات لا يفهم أسبابها. وقد تكون معاناته أشد عندما يستخدمه أحد الطرفين وسيلة للضغط على الآخر، فيُحرم من الزيارة أو التواصل، أو يُلقّن مشاعر الكراهية تجاه أبيه أو أمه.

وتتجاوز آثار هذه النزاعات الجانب العاطفي، لتنعكس على شخصية الطفل وسلوكه ومستواه الدراسي وعلاقاته الاجتماعية. فقد يفقد الشعور بالأمان، ويعيش حالة من القلق والخوف من فقدان أحد والديه، أو يشعر بالذنب معتقداً أنه كان سبباً في انفصالهما. وبعض الأطفال يعبرون عن معاناتهم بالصمت والانطواء، فيما تظهر لدى آخرين سلوكيات عدوانية أو تراجع في التحصيل الدراسي.

ولا يمكن إغفال مسؤولية بعض الآباء والأمهات الذين ينشغلون بخلافاتهم الشخصية، وينسون أن أبناءهم يحتاجون إلى استمرار حضور الطرفين في حياتهم، كلٌّ بحسب دوره وإمكاناته. فالأم ليست مجرد حاضنة، والأب ليس مجرد مصدر للإنفاق، بل كلاهما شريك في بناء شخصية الطفل وتوفير احتياجاته النفسية والتربوية والاجتماعية.

ومن المؤسف أن تتحول المحاكم أحياناً إلى ساحة ممتدة للصراع الأسري، وأن تصبح الزيارة والنفقة والحضانة أدوات للمساومة، بدلاً من أن تكون حقوقاً وواجبات تحمي الطفل. فالطفل لا ينبغي أن يدفع ثمن خلاف لم يكن طرفاً فيه، ولا أن يُجبر على الاختيار بين قلب أمه وحضور أبيه.

إن الطلاق قد ينهي العلاقة الزوجية، لكنه لا ينهي رابطة الأبوة والأمومة، ولا يعفي أيّاً من الطرفين من مسؤولياته. ومن هنا تبرز أهمية نشر الوعي الأسري، وتفعيل الإرشاد النفسي والاجتماعي، وتعزيز دور المؤسسات المختصة في حماية الأطفال من آثار النزاعات، وضمان حقهم في التواصل الآمن والمستمر مع كلا الوالدين، ما دام ذلك لا يعرّضهم للأذى.

إن حضانة الأطفال ليست معركة يفوز فيها الأب أو تنتصر فيها الأم، بل أمانة يُحاسب عليها الطرفان. فالخلاف قد يفرّق زوجين، لكنه لا ينبغي أن يسرق من طفل حقه في الحب والطمأنينة والشعور بأنه ما زال يمتلك أسرة، حتى وإن لم يعد والداه يعيشان تحت سقف واحد.


مشاهدات 49
الكاتب أمال مرزة الياسري
أضيف 2026/11/08 - 3:44 PM
آخر تحديث 2026/11/09 - 1:15 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 125 الشهر 17286 الكلي 16667820
الوقت الآن
الإثنين 2026/11/9 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير