من يحكم الزحام؟
منتصر صباح الحسناوي
في عام 2014، أخبرنا أستاذي في الماجستير أنه حذف حسابه على فيسبوك بعدما رأى البقّال المجاور يعرض «الروبة» في المكان الذي ينشر فيه هو أفكاره.
قال إنه لا يرى نفسه وبائع الروبة في المكان نفسه.
بقيت الحكاية في ذاكرتي، وأعود إليها اليوم من باب آخر. فالأستاذ والبقّال والسياسي والناخب والصحفي والبعيد عن كل ذلك باتوا جميعاً في ساحة واحدة، تتجاور فيها المعرفة والإعلان والخبر والرأي، ويصل كلامهم ورأيهم إلى الناس عبر الشاشة ذاتها.
لم تكن المشكلة يوماً في حضور البقّال؛ فهو يعرف من تجارته ما لا يعرفه الأستاذ، ما يستوقفني أن ما يظهر أمامنا لا يُرتّب وفق قيمة المعرفة أو صدق القول او الرأي، وإنما وفق قدرة المنشور على جذب النظر وإبقاء الناس منشغلين به.
تأليف كتاب
قبل أكثر من سنتين، قادتني حادثة تعرّض لها أحد أصدقائي إلى تأليف كتاب «ثقافة الإلغاء»، كنت أبحث عن اللحظة التي ينتقل فيها الناس من الاعتراض على فعل إلى محو صورة صاحبه وعن ذلك الحكم الذي يصدر سريعاً ويبقى أثره طويلاً.
احتجت آنذاك إلى جمع الأمثلة وقراءة ما كُتب عن الظاهرة كي أفهم آلياتها، أستعيد الكتاب اليوم، فأرى تلك الآليات تعمل في تفاصيل حياتنا العامة: مقطع يُفصل عن حديث طويل، صورة صحيحة تُمنح تفسيراً خاطئاً، أو تسجيل يُنشر دون تحقق منه، لتصل المادة محمولة على اتهام وتتلقفها صفحات كثيرة، ثم يواجه صاحبها جمهوراً يعرف عنه رواية واحدة، وربما لا يريد سماع سواها.
أتاح التطور التقني لهذه العملية سرعة ومدى لم يكونا متاحين من قبل، يمكن إنتاج صورة أو صوت مضلل، وصياغة عشرات المنشورات حول اتهام واحد، ومتابعة ما يثير الجمهور منها ثم دفعه إلى الانتشار.
بعض الحملات تبدأ من غضب حقيقي، وبعضها يجد من يغذّي ذلك الغضب لمصلحة سياسية أو شخصية.
في هذه المساحة لا تعود السيطرة الإعلامية مجرد امتلاك وسيلة للنشر؛ إنها قدرة على اختيار ما يراه الناس أولاً، والسؤال الذي يُطرح عليهم، والاسم الذي يلتصق به الاتهام.
لهذا أفضل عبارة «السياق الجمعي» على العقل الجمعي عند الحديث عن الإلغاء. .. فالذين يشاركون في حملات غالبنا ممن لا يحلل او لا يريد ذلك اساساً، ممن تستهويهم الاثارة .
أحدهم يصدق لأنه يثق بالناشر وآخر يشارك لأنه غاضب من قضية أوسع، وثالث يخاف أن يُفسَّر صمته على أنه دفاع عن المتهم.
لكن المنصة تجمع هذه الدوافع المختلفة في موجة ظاهرة، فيظن المتلقي أن كثرة المشاركات دليل على اكتمال الحقيقة.
هنا يجد المتنافس السياسي فرصة ثمينة: بدلاً من مناقشة أداء خصمه، يستطيع أن يدفع الجمهور إلى الانشغال بصورة عنه وقد يكفيه الشك كي يحقق أثراً يصعب إصلاحه.
الخطر يبدأ عندما يسبق الحكمُ معرفةَ الوقائع، وعندما يصبح إسقاط الإنسان غاية تتجاوز البحث في فعله.
نعم ، قد يظهر التوضيح بعد أيام، لكن من صدّق الرواية الأولى قد لا يراه، ومن نشر الاتهام قد يكون انتقل إلى هدف جديد.
لذلك أعود إلى سؤال أستاذي بصورة مختلفة: لم يعد الأمر متعلقاً بمن يحق له الوقوف في هذه الساحة؛ الجميع فيها بالفعل. السؤال الذي يستحق أن نطرحه هو: من يرتّب هذا الزحام، ومن ينتفع بالحكم الذي يصدر عنه؟