شخصيات من بلادي.. نعمان ماهر الكنعاني
حين يصبح الأدب ذاكرة وطن
صالح رضا
في ذاكرة العراق الثقافية أسماء تستحق أن نتوقف عندها طويلاً، لا لأنها تركت مؤلفات تحمل أسماءها فحسب، بل لأنها عاشت تجارب متعددة، وأسهمت في الحياة العامة، وجعلت من الثقافة ميداناً آخر من ميادين العطاء. ومن بين هذه الأسماء يبرز الشاعر والأديب العراقي نعمان ماهر الكنعاني، الذي جمع بين الحياة العسكرية والعمل الثقافي والإبداع الأدبي، وترك وراءه تجربة تستحق أن تُقرأ وتُستعاد. ولد الكنعاني في مدينة سامراء عام 1919، ونشأ في بيئة عراقية عريقة، ثم انتقل إلى بغداد لمواصلة دراسته، فالتحق بالكلية العسكرية العراقية وتخرج فيها عام 1939. ومنذ ذلك الوقت بدأت مسيرته المهنية، التي تنقلت بين المسؤوليات العسكرية والوظائف المدنية، من دون أن ينقطع عن الأدب والشعر والبحث.
لم تكن تجربته الأدبية هامشاً في حياته، بل شكّلت جانباً أساسياً من شخصيته. فقد ظل الشعر حاضراً في مسيرته، وصدرت له دواوين متعددة على امتداد عقود، من بينها، في يقظة الوجدان، عام 1943، و«المعازف» عام 1950، ولهب دجلة،، عام 1960،، ومن شعري، عام 1966، ثم ..أوراق الليل، عام 1974، والمزاهر،، عام 1981، و،،المجامر، عام 1983، و«المشاعل» عام 1987. وتكشف هذه العناوين عن مسيرة شعرية امتدت زمناً طويلاً، رافقت مراحل مختلفة من حياته وتحولات العراق والعالم العربي. ولم يقتصر اهتمام الكنعاني على كتابة الشعر، بل اتجه إلى دراسة الأدب العربي والبحث في تجارب الشعراء، فكان له كتاب «شاعرية أبي فراس»، الذي تناول فيه تجربة أحد أبرز شعراء العربية، كما ألّف كتاب «شعراء الواحدة»، الذي اهتم بالشعراء الذين اشتهروا بقصيدة واحدة. وله أيضاً «شعراء الصوفية»، و«مختارات الكنعاني»، و«الشعر العربي بين الأصالة والتجديد»، فضلاً عن أعمال أخرى في الإعلام والتاريخ والترجمة.
وهنا تتضح لنا إحدى السمات المهمة في تجربته؛ إذ لم يكن الشاعر منشغلاً بإنتاجه الخاص وحده، بل امتد اهتمامه إلى الشعراء الآخرين، وإلى قراءة التراث الأدبي والتعريف بأصحابه. فالكتابة عن الشعراء، وجمع نصوصهم، ودراسة تجاربهم، أعمال تسهم في حفظ الذاكرة الأدبية، وتمنح الأجيال الجديدة فرصة للتعرف إلى أصوات ربما لا تحظى بما تستحقه من حضور. وفي حياته الوظيفية، تولى الكنعاني عدداً من المسؤوليات العسكرية والمدنية، كان من أبرزها منصب وكيل وزارة الثقافة والإرشاد خلال ستينيات القرن الماضي، قبل أن يُحال إلى التقاعد بطلب منه عام 1968. كما ارتبط اسمه بالعمل الثقافي والمؤسسات الأدبية، وانتُخب رئيساً لجمعية المؤلفين والكتاب في العراق، وشغل موقع نائب الأمين العام لاتحاد الأدباء والكتاب، بحسب ما أوردته المصادر المنشورة عن سيرته. إن الجمع بين الوظيفة العامة والإنتاج الأدبي ليس أمراً سهلاً، فلكل منهما متطلباته ومسؤولياته، غير أن تجربة الكنعاني تُظهر أن اهتمام الإنسان بالثقافة قد يمتد إلى ما وراء حدود مهنته الأساسية. وقد ظل الشعر والبحث والتأليف حاضرة في حياته، حتى أصبح اسمه معروفاً في أكثر من مجال. ولعل من المفيد، ونحن نستعيد سيرته، ألا نكتفي بسرد المناصب والتواريخ وعناوين الكتب؛ فالسيرة الثقافية الحقيقية لا تُقاس بعدد الوظائف التي شغلها صاحبها، ولا بعدد المؤلفات التي تركها فحسب، بل بما تتيحه أعماله من معرفة، وما تثيره من أسئلة، وما تضيفه إلى فهمنا لتاريخ الأدب وحركة الثقافة في العراق. لقد عرفت الثقافة العراقية خلال القرن العشرين شعراء وأدبـــــــاء جمعوا بين التجربة الشخصية والاهتمام بالشأن العام، وكانت مؤلفاتهم شاهداً على زمن مليء بالتحولات. وكان نعمان ماهر الكنعاني واحــداً من تلك الأسماء التي تستحق أن تُقرأ تجربتها في سياقها التاريخي والثقافي، بعيــــــداً عن المبالغة أو الاكتفاء بالأحكام العامة.
وفي عام 2003، غادر الكنعاني العراق إلى الأردن، حيث عاش في عمّان حتى وفاته في 19 آب عام 2010، عن عمر ناهز التسعين عاماً. وبرحيله انطوت صفحة من صفحات جيل عراقي حمل الأدب في وجدانه، وترك مؤلفات تشهد على اهتمامه بالشعر والتراث والبحث الثقافي.
وحين نكتب عن نعمان ماهر الكنعاني اليوم، فإننا لا نستعيد سيرة رجل مضى فحسب، بل نستعيد جانباً من ذاكرة العراق الأدبية، ونؤكد أن الوفاء للمبدعين يبدأ بالتعريف بهم، وقراءة أعمالهم، وتوثيق ما تركوه للأجيال القادمة.
إن مشروع «شخصيات من بلادي» الذي أواصل العمل عليه، ينطلق من إيمان راسخ بأن العراق لا يُعرف بتاريخه السياسي وحده، بل بما أنجبه من شعراء وأدباء وفنانين ومفكرين، أسهموا في تشكيل هويته الثقافية والإنسانية. ومن واجبنا أن نعيد هذه الأسماء إلى دائرة الاهتمام، وأن نمنحها مساحة في الصحافة والذاكرة العامة، لتبقى حاضرة في وجدان الأجيال.
فالأوطان لا تحفظ ذاكرتها بالحجر وحده، ولا بالوثائق وحدها، بل تحفظها أيضاً بالكلمة التي تصمد أمام النسيان، وبالشعر الذي يعبر الأزمنة، وبالكتابة التي تعيد إلى الواجهة وجوهاً تركت أثرها في حياة الناس.
وهكذا يصبح الأدب ذاكرة وطن، ويصبح الوفاء للمبدعين مسؤولية ثقافية لا تنتهي برحيلهم.