الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
أيقونة الإقتصاد والسياسة

← بواسطة azzaman

أيقونة الإقتصاد والسياسة

نجاح الحبوبي

 

لم تكن أنجيلا ميركل امرأة تصرخ، ولا زعيمة تلوّح بقبضتها في الهواء. كانت تقف في وسط العاصفة بيدين متشابكتين على شكل معيّن، ذلك الشكل الذي سمّاه الألمان «Raute»، كأنها تقول للعالم: اهدؤوا، كل شيء سيُحل بالعقل.

بدأت الحكاية في مختبر. فتاة نحيلة بملامح هادئة، عالمة فيزياء كمّية في ألمانيا الشرقية، تحفظ المعادلات.

لم يكن أحد يتخيل أن تلك الفتاة التي نشأت تحت ظل جدار برلين، ستصبح هي نفسها من يهدم الجدران السياسية في أوروبا.

حين جاءت إلى المستشارية عام 2005، كانت ألمانيا رجلاً مريضاً، اقتصادها متعب، وشبابها يهاجر. لم تعد بأحلام كبيرة. قالت فقط: سأعمل. وعملت. ستة عشر عاماً من العمل الصامت، بلا ضجيج، بلا فضائح، بلا حسابات على تويتر. في زمن الزعماء الذين يتكلمون كثيراً، كانت هي الزعيمة التي تصمت كثيراً.

تعلمنا منها أن القيادة ليست صوتاً عالياً. حين انهارت بنوك العالم في 2008، بينما كان الجميع يرتجف، كانت هي تحسب. وحين انفجر مفاعل فوكوشيما، لم تنتظر تقارير اللجان، قررت في ليلة واحدة أن تطفئ نور الذرة في بلادها إلى الأبد، وأن تضيء ألمانيا بريح الشمال وشمس الجنوب. قرار شاعري، من عالمة فيزياء تعرف أن المستقبل لا يُبنى بالخوف.

لكن لحظتها الأخلاقية الكبرى كانت في خريف 2015. قطارات محملة بالهاربين من الموت في سوريا، وأوروبا تغلق أبوابها. وقفت ميركل وقالت جملة من ثلاث كلمات ستدخل التاريخ: Wir schaffen das - نحن قادرون على ذلك. فتحت الباب لأكثر من مليون إنسان. قالوا لها ستخسرين الانتخابات. قالت: الإنسان أهم من الانتخابات. وفي تلك اللحظة، لم تعد مستشارة ألمانيا، بل أصبحت ضمير أوروبا.

كانت وحدها في مواجهة ترامب الذي يسخر منها، وبوتين الذي يختبرها، وأردوغان الذي يساومها، وبريطانيا التي تغادر سفينة الاتحاد. كانت هي من يمسك السفينة كي لا تغرق. يسمونها في ألمانيا «Mutti» - الأم. ليست أماً حنونة فقط، بل أماً حازمة، تعرف متى تقسو ومتى تحتضن.

ثم، وفي ذروة مجدها، فعلت ما لا يفعله الزعماء أبداً: رحلت. بهدوء. في ديسمبر 2021، حملت حقيبتها وغادرت مبنى المستشارية، وسكنت في شقتها العادية في برلين، وذهبت تشتري الخبز بنفسها. لم تؤسس حزباً جديداً، ولم تكتب مذكرات للانتقام، ولم تطلب تمثالاً.

بقيت صورتها الأخيرة: امرأة بلا تاج، تركت كرسياً كان بإمكانها أن تجلس عليه إلى الأبد، لتقول لنا درسها الأخير، وهو أبلغ دروسها:

أن أعظم سلطة، هي أن تعرف متى تترك السلطة.

 


مشاهدات 75
الكاتب نجاح الحبوبي
أضيف 2026/10/26 - 2:52 PM
آخر تحديث 2026/10/27 - 9:36 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 1079 الشهر 54443 الكلي 16639612
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/10/27 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير