اللي يكثر حلفانه يتمولس
علي رمضان حسن
إن ما حصل في الجلسة الرابعة والعشرين لمجلس الوزراء، عندما دعا رئيس الوزراء نوابه والوزراء الجدد إلى ترديد القسم مجدداً – والذي تضمن الالتزام بالدستور والقانون، وحماية المال العام، وعدم استغلال المنصب لمنافع شخصية، والتخلي عن الولاءات الحزبية والقومية والطائفية والعشائرية، على الرغم من أن الوزراء قد أدّوا اليمين الدستورية أمام البرلمان قبل يوم واحد فقط – جعل من هذا «القسم الثاني» مادة جدلية واسعة، وأعاد طرح سؤال قديم ومستمر في أذهان المواطنين: ماذا يفيد القسم إن لم يتبعه فعل حقيقي؟ وهل يوقِف المسؤولَ قسمٌ إن غابت القوانين والتشريعات الردعية؟
مشهدية القسم ودلالاتها
لقد أظهر ذلك المشهد تفاصيل لفتت انتباه الشارع؛ فقد وضع بعض المسؤولين أيديهم على أوراق أو ملفات بدلاً من المصحف الشريف، واكتفى أحدهم بالإشارة بإصبعه. لا يمكن الجزم بأن ذلك كان استهزاءً متعمدًا، بل ربما جاء وليد ارتباك أو قلة عناية بالمراسيم، إلا أنه بدا لكثيرين معبراً بصمت عن مدى سطحية الالتزام الشكلي مقارنة بالجوهر.
ويرى قطاع واسع من المراقبين أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في غياب القسم، بل في غياب آليات المحاسبة الفاعلة. وتقارير المنظمات الدولية تدعم هذا الانطباع المستقر في مخيلة المواطن؛ فالعراق وإن أقرّ حزمة من القوانين والاستراتيجيات لمكافحة الفساد، إلا أنه يعاني مراراً من ضعف التطبيق، واهتزاز الشفافية، والتدخلات السياسية التي تعيق استقلال المؤسسات وتقف حجرة عثرة في وجه تحقيق العدالة الناجزة.
بين صراع النفوذ وشعارات الإصلاح
وخير دليل على ذلك هو الجدل الدائر حول الاتهامات الموجهة للحكومات والسلطات السابقة بشأن إهدار المال العام. فمع تولي الحكومة الحالية مهامها، أُعتقل عدد من المسؤولين بتهم فساد شملت أسماء ونواباً، وصدرت مراسيم جمهورية بإحالة شخصيات بارزة إلى التقاعد، فضلاً عن الحديث عن إمكانية ملاحقة رؤوس كبار إذا ثبت تورطهم المباشر.
ومع ذلك، لا يعني هذا إدانة مسبقة أو اتهاماً شخصياً قاطعاً، سيما وأن الشارع لم يشهد حتى الآن نتائج ملموسة وكبرى على أرض الواقع لعمليات مثل «صولة الفجر» إلا في نطاق محدود. وفي المقابل، يبقى الحذر واجباً من سيل الشائعات والوثائق المزورة التي تُبث عبر مواقع التواصل الاجتماعي، والتي نفى القضاء الأعلى صحة بعضها – كمذكرة القبض المفبركة بحق رئيس الوزراء السابق. إن المتمعن في المشهد السياسي العراقي يدرك تماماً أن تهم الفساد غالباً ما تتداخل مع صراعات النفوذ والسلطة، ويبقى الفيصل الوحيد هو القضاء العادل والأدلة القانونية المعلنة.
إضافات ورؤية تحليلية أعمق: من الشعارات إلى المؤسسية
«الكلمة تُوزن بما يُتبعها، لا بعدد مرات ترديدها.»
إن الانقسام في الشارع العراقي حيال هذه الإجراءات يعكس طبيعة الأزمة؛ ففريق يرى في هذه الحملات والخطوات الجريئة بصيص أمل يحسب للسلطة التنفيذية في جديتها لمواجهة الحيتان الكبيرة، بينما يرى فريق آخر مغاير أن هذا لا يعدو كونها مسكنات إعلامية لا ترقى لمستوى «غول الفساد» الذي جثم طويلاً على صدور العراقيين.
لكي يتحول القسم الدستوري أو الإداري من مجرد «بروتوكول ورقي» إلى صمام أمان حقيقي، لابد من استيفاء ركائز جوهرية:
* التحول الرقمي والشفافية المطلقة: إنهاء التعاملات النقدية والروتين البيروقراطي المولد للفساد عبر الحوكمة الإلكترونية الشاملة لمفاصل الدولة.
* استقلال القضاء وهيئات النزاهة: تحصين الجهات الرقابية من الضغوط الحزبية والسياسية، لتتمكن من محاسبة الجميع دون استثناء أو إفلات من العقاب.
* تفعيل قوانين «من أين لك هذا؟»: والبدء بكشف الذمة المالية الفعلي للمسؤولين قبل وبعد تسنمهم المناصب.
إن اختبار الأفـــــــعال مفتوح، ولـــــــن تحسمه كثرة اليمــــين ولا تكرار الأقسام، بل ستكشفه الأيام والأعـــــــوام القادمة مع انتهاء هذه المدة الحكومية وتقييم إنجازاتها بميزان الحق والواقع. وحينها، سيبقى المثل الشعبي العراقي الخالد سيد الموقف لكل من يستسهل الوعود: (اللي يكثر حلفانه يتمولس).