الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
إعادة إكتشاف إدوارد سعيد في فيلم مايكن بيرد

← بواسطة azzaman

إعادة إكتشاف إدوارد سعيد في فيلم مايكن بيرد

رحلة عبر التاريخ غير المروي لفلسطين

سمير حنا خمورو

 

بعد عشرين عامًا على وفاته، يُشاركنا الباحث والموسيقي والمفكر الفلسطيني الأمريكي الشهير إدوارد سعيد، التاريخ غير المروي لفلسطين بكلماته الخاصة، من خلال لقطات وتسجيلات شاملة لم تُعرض من قبل في فيلم بعنوان «إدوارد سعيد: بين العوالم» ، للمخرجة  الدنماركية الامريكية مايكن بيرد ، حيث يقدم صورة جديدة للعالم الفلسطيني المؤثر من خلال مواد أرشيفية واسعة النطاق وسجلات عائلية لم يسبق رؤيتها من قبل.

يُقدّم الفيلم، مسارين متوازيين: الشخصي والسياسي. وباستخدام مقاطع فيلمية صوّرها والد سعيد، يسرد الفيلم تفاصيل طفولته في ثلاثينيات وأربعينيات من القرن العشرين، بينما يمهد في الوقت نفسه للاضطرابات الأوسع التي تلتها. ورغم أن سعيد وُلد في القدس، إلا أنه قضى فترة مراهقته وما بعدها في الولايات المتحدة، مما ولّد لديه شعورًا بالاغتراب العرقي، وهو ما يستذكره بكلماته الخاصة، باللغتين الإنجليزية والعربية.

يبدو هذا التسلسل الزمني مألوفًا ومنطقيا للوهلة الأولى. فكرة تسليط الضوء على شخصية معروفة خلال سنوات تكوينها - عبر مقابلات معه، ومستخدمة في افلام عديدة، لكن في حالة سعيد، يصبح أي تصوير لتاريخه مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بفكره الأكاديمي، وكيف تطور. وفي هذا السياق، تحاول المخرجة تتبع كيف وصل المرء إلى تأليف كتب مثل «الاستشراق» - ولاحقًا «تغطية الإسلام»، وحول دور الإعلام في تشكيل الآراء - في المقام الأول.  يُشكّل مطلع فيلم «إدوارد سعيد: بين العوالم» بمثابة تمهيدٍ مُبسّط، يُقدّم مدخلاً واضحاً إلى فكر سعيد. وباستخدام كلمات الباحث نفسه، يقول في التعليق الصوتي: «كلما بذل الفلسطينيون جهداً لسرد قصة، لعرض قصة فلسطين بطريقة درامية وقابلة للتحقيق، يُواجَه هذا الجهد بالهجوم والإيقاف. فنبدو كأننا أيتام، كأننا بلا أصول، بلا سردية كشعب. يُقال لنا، بمعنى ما، إننا غير موجودين حقاً».

وعي سياسي

يتتبع الفيلم تطور وعيه السياسي، ومعاناته الشخصية، وتأقلمه مع حياة المنفى، وهو أول فيلم وثائقي يُمنح حق الوصول الكامل إليه من قِبل عائلة سعيد وورثته. من خلال تجميع حيوي للأرشيف، يضم مواد لم تُعرض من قبل من أرشيف العائلة، وأرشيف سعيد في جامعة كولومبيا، وعقود من الأفلام المنزلية غير المنشورة، وظهورات تلفزيونية نادرة، وأفلام وثائقية، ومحاضرات، ولقطات منزلية. يمتد الفيلم على مدى سبعة عقود، متتبعًا حياة سعيد منذ طفولته في القدس عام 1935 وحتى وفاته في مدينة نيويورك عام 2003، مُسلطًا الضوء على تجاربه في المنفى، وصحوته السياسية، وحياته الفكرية.

يستعرض الفيلم حياة وأعمال الباحث والكاتب والموسيقي والناشط الفلسطيني إدوارد سعيد، الذي نادى بإنشاء دولة فلسطينية إسرائيلية واحدة علمانية وديمقراطية. كان الباحث الفلسطيني الأمريكي أكثر منتقدي الغرب صراحةً في أمريكا وأشرس المدافعين عن فلسطين. بعد عشرين عامًا من وفاته، يأخذ سعيد المشاهدين في رحلة عبر التاريخ غير المروي لفلسطين من خلال مجموعة تفاعلية من اللقطات والتسجيلات والمحفوظات التي تم رقمنتها حديثًا.

يؤكد توم باورز مبرمج الأفلام الوثائقية في مهرجان  تورونتو السينمائي الدولي الحادية والخمسين: «إنه فيلم في غاية الأهمية ومناسب جداً في هذا الوقت. وأعتقد أن إدوارد سعيد، الذي رحل منذ 23 عامًا، نشأ جيل كامل دون وجوده الفاعل. أتذكر جيدًا ظهوره المنتظم على برنامج «نايت لاين» أو غيره من البرامج التلفزيونية، أو عندما كان يلقي محاضرات في مدينة نيويورك...لكن لا أجد صوتًا أكثر ملاءمةً للنقاشات الجيوسياسية الكبرى التي نخوضها اليوم. إنه يذكرني بفيلم «أنا لست زنجيك» للمخرج راؤول بيك عندما عُرض لأول مرة في مهرجان تورنتو السينمائي الدولي عام 2016.» يُقدّم هذا الفيلم الوثائقي، الذي تبلغ مدته 107 دقائق، باللغتين الإنكليزية والعربية، أحداث وقضايا تمتد لعقود، ويستكشف حياة إدوارد سعيد وأفكاره من خلال كلماته، مُعيدًا النظر في أعماله الرئيسية، بما في ذلك «الاستشراق» و»قضية فلسطين». بينما يتتبع النصف الثاني من الفيلم، تطور رؤية سعيد تدريجياً في العقود التي تلت أعماله التأسيسية، وهو تغيير قد يصفه البعض باللين، بينما يراه آخرون بصيص أمل للتعايش.

معظم الأفلام الوثائقية السيرية تُركز على الماضي، لكن بيرد تحرص على عدم تجميد شخصية سعيد في الماضي. بدلًا من ذلك، تُعامله كشخصية حية نتفاعل معها ونُسقط عليها رؤيتنا. الفيلم، بكل المقاييس، هو خلاصة شخصية سعيد، مُقدمًا في قالب سهل الفهم وغني بالمعلومات، يسعى، رغم ندرة طرحه للتحديات، إلى التنوير والتثقيف، من خلال سرد قصة تطور فكري متجذرة في تجربة المنفى. وقد عملت نجلاء سعيد، ابنة إدوارد سعيد، منتجةً استشاريةً في الفيلم.

ويُعدّ هذا المشروع، أول فيلم وثائقي متكامل عن إدوارد سعيد أنتجته وأخرجته  سارة مواسوز مخرجة أفلام فلسطينية أمريكية من الجيل الأول، تقيم في نيويورك. من أعمالها الإنتاجية: فيلم «باتريوت آكت» مع حسن منحاج (نتفليكس)، وفيلم «العقل فوق القتل» r عرض على قناة (HBO)، وفيلم «لا تدعه يرحل» عرض على قناة هولو (Hulu)، وفيلم  «المتعصب : عملية خداع تيجان وسارا». شاركت  في انتاج الفيلم ثلاث شركات انتاج أفلام وبرامج تلفزيونية امريكية؛ أفلام لوفيرتور ، شركاء التأثير ، وإنتاجات جيغسو ، كما حصلت المخرجة على دعم من مهرجان كوبنهاغن الدولي للأفلام الوثائقية ، وفاز المشروع بجائزة قناة الجزيرة للأفلام الوثائقية للإنتاج المشترك بقيمة 10000 دولار.

كما نجد في فيلم المخرجة إرث مشاريع أفلام أخرى عن سعيد، بما في ذلك فيلم مايك دوبس «إدوارد سعيد: المقابلة الأخيرة» الذي صدر عام 2004، إلا أن «بين العوالم يقدم تثقيفًا سياسيًا قيّمًا.

«*إدوارد سعيد: بين العوالم» سيناريو واخراج مايكن بيرد، مونتاج كل من ر. أ. فيد، أليستر ماكاي، جاي آرثر ستيرينبيرغ وبلومي تاكر، موسيقى كريم رستم، مدة الفيلم 107 دقيقة .

 عرض الفيلم عالميا في قسم الأفلام الوثائقية في مهرجان تورنتو السينمائي الدولي الدولي الحادي والخمسين، الذي أقيم  في الفترة من 10 إلى 20 أيلول/ سبتمبر 2026، وفي مهرجان ونيويورك.

*المخرجة

مايكِن بيرد مخرجة ومنتجة أفلام دنماركية أمريكية. أخرجت بيرد فيلمي «فينوس وسيرينا» و»جيسلين ماكسويل: ثرية فاحشة» لصالح نتفليكس. شاركت بيرد كمنتجة تنفيذية لفيلمي «إيكاروس» الحائز على جائزة الأوسكار، و»أورويل: 2+2=5» Orwell: 2+2=5، وأنتجت فيلمي «طنطورة (مهرجان ساندانس 2022) و»حكايات شعبية» (مهرجان ساندانس 2025). كما شاركت في الإنتاج التنفيذي للفيلم الفلسطيني الجديد «كل ما تبقى منك» (مهرجان ساندانس 2025)، وهو ملحمة متعددة الأجيال تتناول قصة المنفى.

*إدوارد سعيد

ولد إدوارد وديع سعيد في (1 تشرين الثاني/ نوفمبر 1935 القدس - وتوفي في 25 أيلول/ سبتمبر 2003 نيويورك) مُنظر أدبي فلسطيني-أمريكي. يعد أحد أهم المثقفين الفلسطينيين وحتى العرب في القرن العشرين سواءً من حيث عمق تأثيره أو من حيث تنوع نشاطاته، بل ثمة من يعتبره واحدًا من أهم عشرة مفكرين تأثيرًا في القرن العشرين. كان أستاذًا جامعيًا للنقد الأدبي والأدب المقارن في جامعة كولومبيا في نيويورك ومن الشخصيات المؤسسة لدراسات ما بعد الكولونيالية. ومدافعًا عن حقوق الإنسان للشعب الفلسطيني، وقد وصفه روبرت فيسك بأنه أكثر الأصوات فعالية في الدفاع عن القضية الفلسطينية.وقد نال شهرة واسعة خصوصًا بكتابه «الاستشراق» المنشور سنة 1978، وفيه قدّم أفكاره واسعة التأثير، عن دراسات الاستشراق الغربية المختصة بدراسة الشرق والشرقيين. معتبرًا إياها منتجًا لتلك المجتمعات ما جعل للاستشراق أبعاداً وأهدافاً سياسيةً، وخاضعاً للسلطة ولذلك شكك بأدبياته ونتائجه.

كان إدوارد سعيد عضوًا مستقلاً في المجلس الوطني الفلسطيني في الفترة (1977-1991) واستقال منه احتجاجًا على اتفاقية أوسلو.كما كان عازف بيانو بارعًا، وقام مع صديقه دانييل بارينبويم بتأسيس أوركسترا الديوان الغربي -الشرقي سنة 1999 وهي مكونة من أطفالٍ فلسطينيين وإسرائيليين وعربٍ من دول الجوار، ومشاركةً مع بارينبويم أيضًا نشر سنة 2002 كتابًا عن محادثاتهم الموسيقية المبكرة بعنوان «المتشابهات والمتناقضات: استكشافات في الموسيقى والمجتمع». بقي إدوارد سعيد نشطاً في مجالات اهتمامه حتى آخر حياته وتوفي بعد نحو عشرة أعوامٍ من الصراع مع مرض اللوكيميا (سرطان الدم) سنة 2003.


مشاهدات 73
الكاتب سمير حنا خمورو
أضيف 2026/10/24 - 12:57 AM
آخر تحديث 2026/10/24 - 1:53 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 186 الشهر 46555 الكلي 16631724
الوقت الآن
السبت 2026/10/24 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير