الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
أيشُ عليّ منْ الناس؟.. جولة في الشعر الصوفي الأندلسي


أيشُ عليّ منْ الناس؟.. جولة في الشعر الصوفي الأندلسي

محمدُ خضيرِ الأنباريِ

 

في كثيرٍ منْ الأحيان، ما نرهقُ أنفسنا بما يقولهُ الناسُ عنا، وننشغلُ برضاهمْ حتى ننسى أنَ لكلِ إنسانِ طريقهِ وقناعاته، وهلْ تعني حريةْ الإنسانِ أنْ يعيشَ كما يشاء، أمْ أنَ لها حدودا تقفُ عندَ حقوقِ الآخرينَ وكرامتهم؟

  هنالكَ أسئلةٌ تختصرُ تجارب طويلة، وحكما تتجاوزُ حدود الزمانِ والمكان، ولعلَ منْ أجملها وأعمقها قول الشاعرِ المتصوفِ (أبي الحسنِ عليّ بن عبد الله الششتريّ ) : في قصيدتهِ الشهيرةِ (شويخ منْ أرضِ مكناس) ومقطعها الجميلِ (أيشُ عليّ منْ الناس؟ وإيش على الناسِ مني؟ ) .

    تبدو هذه الكلمات للوهلةِ الأولى بسيطة، لكنها تفتحُ بابا واسعا للتأملِ في حريةِ الإنسان، واستقلالِ شخصيته، وحقهِ في اتخاذِ قراراتهِ بعيدا عنْ ضجيجِ الانتقاداتِ وتدخلات الآخرين، حكايةْ قصيدةٍ عبرتْ القرون، لشاعرِ أندلسي متصوف، عاشَ بينَ عاميْ 1212 م- 1269 م، عرفَ بشعرهِ الذي مزجَ فيهِ الروحانية بلغةٍ قريبةٍ منْ الناس.

   ارتبطتْ سيرتهُ الشخصية، بالتحولِ منْ حياةِ الجاهِ والثراءِ إلى طريقِ الزهدِ والتصوف، والانصرافِ إلى البحثِ عنْ الحقيقةِ والتحررِ منْ التعلقِ بالمظاهرِ الدنيوية، تروي الأخبارَ المتداولةَ عنْ حياته، في تحولهِ إلى التصوف، وتأثرَ بأعلامه، واختارَ الابتعاد عنْ مظاهرِ الترف، والتقربِ منْ الناسِ بلغتهمْ البسيطة.

  في هذا السياقِ، تروى حكايةُ إنشادهِ قصيدة (شويخ منْ أرضِ مكناس) في الأسواق، مصحوبا بالدف، في صورةٍ تعبرُ عنْ التواضعِ والتخلي عنْ المظاهرِ التي كانتْ تحيطُ بحياتهِ السابقة، فبعدَ قرونٍ منْ الزمن، عادتْ القصيدةُ إلى الذاكرةِ العربيةِ منْ خلالِ الألحانِ والأصواتِ التي تناقلتها الأجيال، وقدْ لحنها الموسيقارُ البحرينيُ خالد الشيخ، والتي غناها عددٌ منْ الفنانينَ العرب، منْ بينهمْ (البحرينيّ أحمد الجميري، العراقيّ كاظم الساهر، والسعوديّ عبد المجيد عبد الله ) ، هكذا انتقلتْ القصيدةُ منْ فضاءِ التصوفِ والزهدِ إلى فضاءِ الغناءِ العربيِ ، محتفظةٌ بقدرتها على ملامسةِ وجدانِ المستمع.

   إنَ حريةَ الإنسانِ بينَ القناعةِ وانتقاداتِ الآخرين، فالعبارةُ التي تستوقفنا في هذهِ القصيدةِ ليستْ مجردُ كلماتٍ ترددَ على إيقاعٍ موسيقي، بلْ هيَ موقف منْ الحياة، ودعوة إلى أنْ يتحررَ الإنسانُ منْ الخضوعِ الدائمِ لأحكامِ الآخرين.

   كمْ منْ شخصٍ تراجعَ عنْ قرارٍ يراهُ صائبا خوفا منْ كلامِ الناس؟

 كمْ منْ إنسانٍ أخفى رأيه، أوْ غير سلوكه، أوْ تنازل عنْ قناعته، لا لاقتناعهِ بخطئها، بلْ خشيةً أنْ يتعرضَ للنقدِ أوْ اللوم؟

  إنَ الإنسانَ الذي يجعلُ رضا الآخرينَ، معيارا لكلِ تصرفاتهِ سيجدُ نفسهُ في دوامةٍ لا تنتهي؛ فما يرضي شخصا قدْ لا يعجبُ آخر، وما يراهُ البعض صوابا يراهُ غيرهمْ خطأ، فإذا حاولَ المرءُ أنْ يكسبَ رضا الجميع، ربما يخسرُ في النهايةِ أهمّ ما يملك؛ استقلال شخصيتهِ وثقتهِ بقراره، ومنْ حقِ الإنسانِ أنْ    يختارَ ما يناسبهُ في حياته، ويعملُ وفقَ قناعاته، ويحددُ مساره الفكريّ والاجتماعيّ والمهني، ما دامَ يحترمُ القانون، ولا يعتدي على حقوقِ الآخرين، ولا يلحقُ بهمْ ضررا.

حق الوصاية

تعتبرُ الــــــحياة الشخصية ليستْ شأنا عاما مفتوحا لكلِ منْ أرادَ التدخل فيها، والاختلاف في الرأيِ لا يمنحُ أحدا حقِ الوصايةِ على الآخرين، لكنَ الاستقلالَ في القرارِ لا يعني رفضَ النصيحة، ولا الإصرار على الخطأ، ولا اتخاذ الحريةِ ذريعة للإساءة، فهناكَ فرق بينَ النقدِ الصادقِ الذي يساعدُ الإنسانُ على مراجعةِ نفسه، والتدخل الفضوليّ الذي يتجاوزُ الحدود، وبينَ النصيحةِ التي تقدمُ احتراما، والانتقاد الذي يرادُ بهِ فرضُ الإرادةِ أوْ الانتقاصِ منْ الآخرين.

   منْ الحياةِ الشخصيةِ إلى الشأنِ العام، ولا تقفُ هذهِ الفكرةُ عندَ حدودِ العلاقاتِ الاجتماعية، بلْ تمتدُ إلى السياسةِ والثقافةِ والعملِ العام، فالمجتمعاتُ التي تحاصرُ أصحابَ الآراءِ المختلفةِ بالاتهامات، وتتعاملُ معَ النقدِ بوصفهِ خصومة، تضيقُ مساحةُ الحوار، وتضعفُ فرصُ الإصلاح.

أما المجتمعُ الذي يحترمُ التنوع، ويحتكمُ إلى القانونِ والحجة، فيمنحُ الكفاءة والاستقلال الفكريّ فرصة أكبر للمشاركةِ في بنائه. وفي حياتنا اليومية، قدْ ينتقدُ المرء؛ لأنهُ اختارَ طريقا مختلفا، أوْ رفض مجاملةٍ لا يؤمنُ بها، أوْ قالَ كلمةً حقّ لمْ توافقْ رغبةُ صاحبِ نفوذ، أوْ ابتعدَ عنْ سلوكٍ اعتادهُ المحيطونَ به. وليسَ كلّ اختلافِ تمرد، ولا كلّ رفضِ إساءة، ولا كلّ رأيٍ مخالفٍ دليلاً على العداء. ربما يكونُ الاختلافُ تعبيرا عنْ وعيٍ مستقل، وقدْ تكونُ المراجعةُ الصادقةُ للنفسِ أكثرَ شجاعةٍ منْ مجاراةِ الآخرين. ومعَ ذلك، لا ينبغي أنْ يتحولَ شعارا " ماذا يقولُ الناس؟ " إلى نقيضهِ المطلق، أيْ لا يهمني أحد، فالإنسانُ جزء منْ مجتمع، وعليهِ مسؤوليات تجاهَ أسرتهِ ووطنهِ ومحيطه. والحكمةُ أنْ يستمعَ منْ دونِ أنْ يكونَ تابعا، ويناقشُ منْ دونِ أنْ يكونَ متعصبا، ويختارُ منْ دونِ أنْ يتجاهلَ نتائجَ اختياره.

   إنَ استقلالَ الشخصيةِ ، لا يقاسُ بقدرتها على مخالفةِ الجميع، بلْ بقدرتها على التمييزِ بينَ ما تؤمنُ بهِ وما يفرضُ عليها، وبينَ النقدِ الذي يستحقُ الإصغاءَ والفضولَ الذي ينبغي ألا يتحكمَ بمسارِ حياتها. ما أجملَ أنْ نعيشَ أحرارا في اختياراتنا، متواضعينَ أمامَ الحقيقة، منصفينَ معَ الآخرين، مطمئنينَ إلى أنَ احترامَ الناسِ لا يعني التنازلَ عنْ أنفسنا، وأنَ الاختلافَ لا ينبغي أنْ يكونَ سببا للعداوة، بلْ بابا لفهمِ الحياةِ على نحوٍ أوسع.

  ونختمها ببعضِ أبياتِ القصيدةِ الرائعة:

 إيش علي يا صاحب، منْ جميعِ الخلائقِ،

 افعلْ الخيرَ تنج،   واتبعَ أهل الحقائقِ ،

لا تقلُ يا بنيّ كلمة،  إلا أنْ كنت صادقا.

   في النهاية، لا تقاسُ قيمةُ الإنسانِ بكثرةِ منْ يصفقونَ له، ولا بقلةْ منْ ينتقدونه، بلْ بصدقِ مواقفه، ونزاهةِ أفعاله، وقدرتهِ على تحملِ مسؤوليةِ قراراته، وهذا ما يجسدُ في قولهِ سبحانهُ وتعالى: (يا أيها الذينَ آمنوا اتقوا اللهَ وكونوا معَ الصادقين) سورةْ التوبة، الآية 119.


مشاهدات 76
الكاتب محمدُ خضيرِ الأنباريِ
أضيف 2026/10/24 - 1:31 AM
آخر تحديث 2026/10/24 - 2:32 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 232 الشهر 46601 الكلي 16631770
الوقت الآن
السبت 2026/10/24 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير