دور العشائر في ترسيخ السلم المجتمعي
ابراهيم المحجوب
تعد العشائر جزءا اصيلا من النسيج الاجتماعي العراقي، ولها حضور تاريخي في حياة المجتمع، وقد ادت عبر مراحل مختلفة ادوارا مهمة في التكافل الاجتماعي واصلاح ذات البين وحل الخلافات والحفاظ على تماسك المجتمع.
وفي ظل التحديات التي تواجه المجتمعات، تبرز اهمية العشائر في ترسيخ السلم المجتمعي، شريطة ان يكون هذا الدور منسجما مع مفهوم الدولة وسيادة القانون، وان يتحول الانتماء العشائري من اطار اجتماعي للتعارف والتكافل الى قوة داعمة للوحدة الوطنية، لا عاملا لتعميق الانقسامات.
سلم مستدام
وهنا تبرز العلاقة الوثيقة بين السلم المجتمعي والمواطنة المتساوية؛ فلا يمكن ان يكون هناك سلم مستدام في مجتمع يشعر فيه بعض المواطنين انهم اكثر حقوقا من غيرهم، او ان الانتماء العشائري او المناطقي او القومي او الديني يمنح صاحبه امتيازا على حساب مواطن اخر.
فالمواطنة المتساوية تعني ان الجميع متساوون امام القانون، في الحقوق والواجبات والكرامة الانسانية، وان معيار التعامل مع المواطن هو مواطنيته واحترامه للقانون، وليس انتماءه او اصله او عشيرته. وعندما يشعر الفرد بان حقوقه مصانة، وان القانون يحميه كما يحمي غيره، تتراجع دوافع النزاع والاحتقان، ويترسخ الشعور بالانتماء الى الوطن باعتباره المظلة الجامعة للجميع. ومن هنا يمكن للعشائر ان تؤدي دورا مهما في تعزيز هذه الثقافة، من خلال تأكيد ان العشيرة ليست بديلا عن الدولة، وان مكانتها الاجتماعية تزداد عندما تكون داعمة للقانون والعدل والمساواة. فالشيخ العشائري الذي يقف الى جانب المظلوم ايا كان انتماؤه، ويرفض التمييز بين ابناء المجتمع، ويسعى الى اصلاح ذات البين دون محاباة، يساهم عمليا في بناء ثقافة المواطنة المتساوية.كما ان العشائر تستطيع ان تكون جسرا للتقارب بين مكونات المجتمع، وان تشجع ابناءها على احترام الاخر، وقبول التنوع، والابتعاد عن خطاب الكراهية والثأر والانتقام. فالمجتمع المتماسك ليس المجتمع الذي يخلو من الاختلاف، وانما المجتمع الذي يمتلك القدرة على ادارة اختلافاته بالوسائل السلمية، وفي اطار القانون. ان السلم المجتمعي لا يعني مجرد غياب النزاع، بل يعني وجود بيئة يشعر فيها المواطن بالامن والعدالة والانصاف، ويثق فيها بمؤسسات الدولة، ويؤمن فيها كل فرد بأن كرامته وحقوقه مصونة دون تمييز. وهذه المعاني لا يمكن ترسيخها من دون مواطنة متساوية تكون اساسا للعلاقة بين الفرد والدولة وبين افراد المجتمع بعضهم مع بعض. وفي هذا السياق، تصبح العشيرة شريكا مهما في بناء السلم، عندما تنتقل من منطق «نحن وابناءنا» الى منطق «نحن جميعا ابناء وطن واحد»، ومن حماية الفرد بوصفه فردا من العشيرة الى حماية حقه بوصفه مواطنا. فحين تتقدم المواطنة على العصبية، يصبح الانتماء العشائري قيمة اجتماعية وثقافية جميلة، من دون ان يتحول الى وسيلة للتمييز او تجاوز القانون. ان العراق بحاجة اليوم الى ترسيخ معادلة واضحة: عشائر قوية بقيمها، ودولة قوية بقانونها، ومواطنون متساوون في حقوقهم وواجباتهم. وعندما تتكامل هذه العناصر، يصبح السلم المجتمعي اكثر رسوخا، وتتحول العشيرة من مجرد رابطة اجتماعية الى قوة وطنية تسهم في حماية النسيج المجتمعي وتعزيز الثقة بين المواطنين.
تجمع الجميع
وفي النهاية، فان السلم الحقيقي لا يبنى بالخوف من النزاع، بل بالعدالة التي تمنع اسبابه، ولا يتحقق بالانتماءات الضيقة، بل بالمواطنة التي تجمع الجميع. والعشيرة التي تؤمن بالمساواة، وتحترم القانون، وتدافع عن حق كل مواطن، وتقدم مصلحة الوطن على المصالح الضيقة، ستكون شريكا حقيقيا في صناعة السلام وترسيخ دولة المواطنة.